غريزة الوحوش في كائنات سنان حسين

ثقافة وفن
  • 15-08-2021, 08:54
+A -A

 محسن الشمري 
    

ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التليكرام
يستمد الفنان التشكيلي سنان حسين رؤاه التشكيلية من اللا معلوم في خلق كائناته الحدسية، من خلال إيهامنا بأن عالماً من الوحوش المركبة سوف تسكن يوماً ما الأرض بعد انعدام الجاذبية، وسقوط الأشكال وانتفاء الحاجة إلى الاستسلام للمصائر المحتومة. ومن خلال هذا المفهوم يقودنا الفنان (حسين) إلى الرضوخ للإقامة في بنيانه التخيلي والولوج إلى عالمه وهوسه في تصميم وإنشاء مركبات خلقية مختلفة في مشهدها الظاهري، يختزل فيها طبائع البشر الأفلاطونية القائمة على أساس التصارع الجدلي بين نزعتي الخير والشر في فطرة الإنسان، من منطلق الاستسلام للغرائز النفعية والبحث المستمر على البدائل الشكلية التي تنسجم مع مغريات رغبته في محاولة فك قبضة الإنسان وإفلات الطبيعة الكونية من سيطرته، بوصفه أكثر المخلوقات وحشية وخطراً على الوجود المسالم للطبيعة الساحرة.
 تندرج مدونات ومحاولات (حسين) الشكلية في سياق البنية التعبيرية التجريدية، التي يشكل التغريب والتركيب والتوهيم احد أهم مقوماتها البنائية في تصميم احتفالياته الشكلية التي عادة ما تشبه الحلم العميق المنقطع عن الواقع المستأثر بالغريزة الجنسية الوحشية والصراع من اجل البقاء ومقاومة الجاذبية والرقص في فناءات وأقبية انعدام الوزن والتواجد السائل فوق الأشياء. لذلك جاءت معالجته مطابقة لحلمه في تغيير سدة الواقع والدعوة للاندماج والبحث عن البدائل لعصرنة الوجود الإنساني. 
ظهرت هذه التطلعات الإنسانية جليةً في سلسلةٍ من أعماله الفنية مثل (انبعاث من النار) و (في منتصف الأشياء) و (فقط حلم)، كذلك في مجاراته  الشكلية لقصائد بعض الشعراء البارزين منهم الشاعر (سعدي يوسف) و (احمد مطر)، والكثير من الأعمال التي فاض بها علينا من فيض مدخراته اللونيّة ما يثير الدهشة والغرابة في بتبايناته وتضاداته اللونية التي تحاور الجزئيات والأشكال والعناصر المندرجة والمنضوية في تشكيلات ذات العمل. 
وقد ظهر ذلك جلياً باستخدامه اللون الأحمر في اثارة التساؤلات وعلامات الاستفهام التي ظهرت في بعض أعماله مثل (سيجارة الطاغوت تحرق البلد)، وفي اللوحة المريعة (كل يوم عاشوراء وكل ارض كربلاء) المرعبة بمسحتها الحمراء، ومع الكثير من هذه الاحاطات والإحالات اللونية الترميزية يجدد الفنان التواصل من اجل منحنا متعة الاندماج والمتابعة والإيثار بالانقلاب اللا عقلاني، في محاولة فك الاشتباك وحل الألغاز والكشف عن الأسرار بما تقتضيه حاجة الفنان لإثبات صدق نواياه وحسن إدارته للتحولات المحتملة جراء الاحتدام والتصارع للوصول إلى جوهر الحقيقة.
ما يعنيه التطبيع مع الفوضى في رؤى سنان حسين هو تجوال المجانين بأشكال وملامح سيميائية غير مقروءة، لكنها منفتحة بعلاقتها التفاوضية مع العناصر والمركبات المحيطة، ومستندة إلى الجماليات البديلة عن سرديات الجسد ونياشين الملامح والأطوار والأطوال والمقاسات. 
والمثير الملفت للنظر في هذا التمدن المنقلب على الواقع انه يقبل المساطحة والامتداد والتعايش الجنسي بين الأطياف بلا أقنعة، ومن دون تأشيرات دخول، وبهذا أصبح المسرح مفتوحاً أمام مشاهد سنان الدراماتيكية القابلة لتخطي سلطة العقل. فالحركات الحرة للعناصر البنائية والأجسام تميس ولا تسقط، والجرار المثقوبة لا تسكب محتوياتها السائلة، إنه تناص المخيلة الخصبة مع مستبطنات الطبيعة من اللا مرئيات والخوارق والهواجس الدفينة واحتراق الكذب أمام دوران الزمن وثوابت التاريخ، ففضلا عن أجناس الخيال الجامح المشبع بالغرابة واللا معقول وربما عالم من الأرواح والشياطين هو المعادل المقترح لتشوهات وإفرازات الواقع 
المعاش.