الصخب الأميركي

مقالات
  • 16-01-2021, 05:35
+A -A

علي حسن الفواز

حين كتب وليم فوكنر روايته الشهيرة" الصخب والعنف" فإنه كان يدرك أنه يكتب شيئا صادما عن تاريخ اميركا، وعن ذاكرة العنف فيها، بكل ما يحمله من صراعات عنصرية وانثربولوجية وثقافية، وهو ما جعل هذه الرواية تتحوّل الى سردية مفتوحة لمقاربة الأنساق المضمرة في التاريخ، وفي الاجتماع الأميركيين، وفي سيرة شخصياتها، ولقراءة ما تحمله من عوالم مسكونة ومضطربة بهوس الانسان وهو يبحث عن هويته وذاته ووجوده وحريته.

اليوم تبدو سردية الصخب الأميركي أكثر تمثيلا للتاريخ، وأكثر نزوعا للعنف، وللتعبير عن تحولات سسيوثقافية صادمة، ففيها كثير من ذاكرة "الحرب الأهلية" و "حرب الحريات" و "حرب الروح الجمهورية ضد مركزية الاستعباد"، مثلما فيها كثير من عنصرية النوع ضد طبيعة النمط الاميركي المؤَسَس على مواثيق التعدد والتنوع.

ما بين هذا وذاك تشكّل حادثة اقتحام مبنى الكابتول الاميركي صدمة المواجهة، والكشف عن ذاكرة أخرى لـ"الصخب والعنف" فما جرى لم يكن احتجاجا" جمهوريا بالمعنى الترامبي، بل هو تمثيل لصراع خفي يسكن نسق الهويات الاميركية. ولعل الخطاب المطروح، وسيمياء الجماعة التي قامت بالهجوم، والطابع العنفي في ممارسة الاقتحام تكشف عن سايكوباثيا تلك الجماعة، وعن طبائع شخصياتها، وبكلِّ ما تحمله من هواجس ورغبات وأفكار وقيم تتقاطع بالجوهر مع الدستور الاميركي الجمهوري، ومع ثقافوية التنوع الاثني والثقافي في مجتمع لم يتخلص كليا  من الثنائية الهيغلية القديمة حول "السيد والعبد"

قد تكون نهاية ترامب الرئاسية اعلانا عن فشل هذا التيار، وضعف قدرته في تدوير التاريخ، لكنه بالمقابل كشف عن "نزق عنصري" وعن "هوس هوياتي" بالقوة، والبحث عن النقاوة الانثربولوجية، وهو نزوع قد يجد مجالا في المستقبل لاطلاق شعاراته، وتسويغ عنفه، ولايجاد بيئة سياسية وثقافية وحتى اقتصادية للسيطرة على "ادوات الانتاج" وانماط العمل، والنظام الأمني، والمرافق العامة،  وبالتالي اعادة انتاج براديغم الكولنيالي الجديد، المتناغم مع مظاهر بدأت تبرز في اوروبا عبر صعود الاتجاهات العنصرية والفاشية والراديكالية في عديد الدول، ومنها الولايات المتحدة.

لقد كشفت الاجهزة الفدرالية الامنية في اميركا عن اتصالات سرية تؤكد لجوء الجماعات الترامبية للعنف والقتل، ولاغتيال عدد من اعضاء الكونغرس الاميركي، فضلا عما يمكن أن يحدث خلال تنصيب الرئيس المنتخب جو بايدن في العشرين من الشهر الحالي، والتي قد تتحول الى سابقة عنفية، لا تهدد الديمقراطية الاميركية كما يقولون، بل ستهدد بحرب اهلية قد تقود أميركا الى التشظي.