الاوداية في الرباط  قصبة تعزف فصولاً من تاريخ المغرب

منوعات
  • 12-11-2018, 15:18
+A -A

الرباط- واع برع الانسان في بناء القلاع والحصون منذ القدم لتعكس تصاميمها واشكالها والوانها الخيال الانساني ونزوعه الدائم لتجسيد وجوده وتمجيد عصره وابراز فلسفة الحكم السائدة،  لتكون هذه القلاع والحصون مع الكثير من الوسائل الاخرى اسوار حماية له بوجه الطامعين، ولتصح لاحقا مادة لتفسير نمط العيش وطرائق الحكم والنظم السياسية والادارية القديمة، وعرف ابن منظور في " لسان العرب" " القلعة بأنها الحصن الممتنع في جبل، جمعها قِلاعٌ وقِلَعٌ وقَلُوعٌ؛ والقلْعة بسكون اللام هي الحصن المشرف ". وقصبة الأوداية، أو ( قصبة لوداية ) هي قلعة تاريخية مشيدة على مرتفع صخري، تطل على المحيط الاطلسي من جهة اليسار وعلى الضفة الجنوبية لنهر بو رقاق من جهة اليمين، اضحت منذ عقود معلم تاريخي وموقع سياحي لمدينة الرباط العاصمة السياسية والادارية للملكة المغربية. وهي في الأصل قلعة محصنة، شيدها المرابطون، وازدادت أهميتها في عهد الموحدين، الذين جعلوا منها رباطا على مصب نهر أبي رقراق، وأطلقوا عليها اسم المهدية. وبعد الموحدين أصبحت مهملة إلى أن استوطنها الموريسكيون (وهم المسلمون الذين بقوا في اسبانيا تحت الحكم المسيحي، ثم اجبرتهم الحكومة الاسبانية في عهد الملك الأسباني فيليب الثاني على المغادرة الى شمال افريقيا وبلاد الشام وتركيا )، وقد جعلوها عاصمة لكيانهم السياسي الذي عرف ب "جمهورية بورقراق" بعد فرارهم من الأندلس في مطلع القرن السابع عشر، فأعادوا إليها الحياة بتدعيمها بأسوار محصنة. وما بين سنة 1757 و 1789 عرفت قلعة الوداية عدة تغييرات وإصلاحات في عهد العلويين ، وفي الفترة بين (1790 و 1792)، قام مهندس معماري انكليزي عرف ب "احمد الانكليزي" بترميم برج الصراط فيها. وتعد قصبة الوداية موقعا تاريخا متنوعا ومتميزا، يتجلى خصوصا بطريقة بناء جدرانها القوية والصلبة والمطلية بالطين، وسورها الموحدي وبابها الأثري، الذي يسمى "الباب الكبير" والذي شيده السلطان مولاي عبد الرحمن والذي يبلغ طوله حوالي 38 مترا وعرضه 16 مترا، ويصل علوه الى اكثر من 12 مترا، والسور والباب الكبير يعتبران من رموز الفن المعماري الموحدي بالإضافة إلى مسجدها المعروف بالجامع العتيق، أما المنشآت العلوية فتتجلى في الأسوار الرشيدية، والقصر الأميري الذي يقع غربا وبرج صقالة الذي يعد  مؤسسة القلعة العسكرية. ويشير السور المعلق فوق صخور الشاطئ الى عمارتها الاندلسية، فيما تزين ابواب القصبة المزخرفة من الجهة المطلة على مدينة الرباط الحديثة الكتابات والنقوش العربية الكوفية. وتتميز قلعة الوداية بمتحفها المقام في جناح بناه السلطان العلوي مولاي اسماعيل في القرن 17، والذي يضم مختارات من الازياء المغربية القديمة ذات الاصول العربية والاسلامية والامازيغية، وحلي ومجوهرات تقليدية، والات موسيقية وسجاد ولقى مصنوعة من الخزف. وعبر تبدلات العصور والحقب والظروف صمدت قلعة الوداية لتشير الى ذاكرة وحكايات متعددة لتاريخ المغرب، وتنوع مدنه واقاليمه، ويقطن قلعة الوداية اليوم خليط من السكان الذين استوطنوها عبر تاريخها، ومغاربة من مدن اخرى وجدوا فيها ملاذا امنا للحياة والعمل، وكذلك يقطن بيوتها القديمة الملونة باللونين الازرق والابيض والتي تحيط بأبوابها الأصص الفخارية التي تبرز منها الوان النباتات والزهور او النباتات التي المتدلية من شرفاتها، اجانب من جنسيات مختلفة رحالة او مقيمون يقضون في ازقتها ورائحة تراثها وحكايات تاريخها ودفئ شمسها سنوات وسنوات، ويشكل المكان عنصر جذب للعديد من السحرة والفانين والمصورين والموسيقيين من داخل المغرب ومن خارجه، فيما تعج نهاراتها وامسياتها بأفواج السياح من مختلف دول العالم، يحتسون الشاي المغربي في مقهى " مور" الشهير، وفي اعلى القصبة يلتقطون صور لذكرى قد تبزغ معها اجابة ما عن سؤال تاريخهم الشخصي او عن سر من اسرار والوجود عبر السفر في رائحة التاريخ والمكان!.