في مهنة لا يمارسها إلا الرجال.. امرأة تقتحم عالم السيارات بورشة لصيانة وصبغ المركبات

تحقيقات وتقارير
  • 17-04-2024, 15:37
+A -A

بغداد- واع- آية منصور

 في مرأب الوالد، بدأت ميسون حسن خطواتها الأولى في عالم تصليح السيارات، لم تكن تعلم أن شغفها بعالم الإطارات وتفكيك العجلات ورائحة البنزين، سيجعلها أول عراقية تستطيع أن تحجز مكاناً لاسمها في عالم يهيمن عليه الرجال، بتفانيها ومهارتها الفائقة.

كان والد ميسون، صاحباً لمتجر صغير للمواد الاحتياطية، كان أيضاً محترفاً في تصليح الدبابات والمدرعات، ومختصّاً في إصلاح العجلات العسكرية، وفي هذه البيئة، انبعث اهتمام ميسون الصغيرة بتلك الأجزاء الحديدية وقطع الغيار. كانت تعايشها معها كالمغامرة المثيرة التي لا تنتهي، تلك التي غمرتها في عالم الصناعة والإصلاح بمختلف تفاصيله وأشكاله.


ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التليكرام

حلم المرأب الكبير

"حلمت بأن أصبح فيترجية ماهرة، تتقن فنون إصلاح السيارات وتعيدها إلى الحياة ببراعة وإتقان. حيث تركت المدرسة الابتدائية، وعملت مع والدي، أحببت تلك الأجزاء الحديدية وقطع الغيار وتعايشت معها، كان والدي يبدأ في تعليمي خطوات التعامل مع السيارة من البداية حتى النهاية، وبدت لي كلمة مرور لغزاً في بادئ الأمر، لكن بتوجيهه، تفسر لي كل شيء تدريجياً. وفي سن الرابعة عشرة، كنت قادرة على فك شفرة تلك السيارة اليابانية بمفردي، وكان والدي يقف بجانبي، يرشدني بحنكة وحذر، داعياً إياي للتقدم بحذر وبنفس الوقت بجرأة لأتعلم بأسرع وتيرة ممكنة. وهكذا، أصبحت ملمة بفنون التمدد تحت هيكل السيارة، فأناقش أسرارها وأصلحها ببراعة" تقول ميسون بحديثها لوكالة الأنباء العراقية. 



التصليح الكبير الأول

وأضافت، "كنت خائفة حينما بدأت في إصلاح السيارة للمرة الأولى". لكن لم يكن والدها يرغب في توجيهها في حال وقوعها في خطأ، بل أخبرها بجرأة وبساطة: "أريد منك أن تتعلمي كل شيء، وأن لا تعتمدي على أحد في أي يوم". وكانت ميسون تنظر إلى هذه الكلمات كدليل على الثقة التي يمنحها والدها لها وبقدرتها على تحمل المسؤولية والتعلم.

"لم يصدق صاحب السيارة حقيقة أن الشخص الذي قام بإصلاح عطل سيارته كانت فتاة لم تتجاوز الخامسة عشرة من عمرها، كانت هذه اللحظة ليست فقط انتصاراً لي، بل كانت تحدياً جديداً لتحقيق المزيد وإثبات القدرة على تحقيق النجاح" تقول ميسون.

تؤكد حسن بفخر وامتنان أن والدها كان له دور كبير في توجيهها وتوجيه أختها نحو تحقيق أحلامهما وتحويل أفكارهما الجنونية إلى حقيقة، كان يخطط بصمت وينمي أفكاراً ملهمة، ثم يترك لهما مهمة تحويل هذه الأفكار إلى حقيقة، تتذكر كيف قاموا بصنع أرجوحة في الفناء الخلفي، وقفصاً للطيور، وحتى أسسوا شبكة كهرباء مصنوعة من معدات وحديد خردة من السكراب.

"رحل والدي مبكراً، لكنه ترك لنا الكثير من المهارات المتعددة، في مختلف مجالات الحياة وأكثرهن صعوبة، مثل الكهرباء، أنا ممتنة له للأبد، لأنه لم يعلمني صنعة واحدة، بل العديد" توضح ميسون. 

،تؤكد ميسون التي اضطرت لترك مدرستها الابتدائية، أنها كانت وبحزن تشاهد كل يوم زميلاتها وهن يتوجهن إلى المدرسة، في حين كانت تحلم بالعودة إلى الكتب والمناهج التعليمية. كانت هذه الرغبة تنمو في داخلها بقوة، فقررت أن تطلب ذلك من والدها قبل وفاته، لتعود إلى طريق التعليم وتتابع رحلتها الدراسية.

في بادئ الأمر، لم يتقبل  والدي  فكرة عودتي إلى المدرسة بسهولة. لكني حاولت بكل ما أملك من طرق وحيل، فقمت بتقديم ساعات إضافية من العمل في تصليح السيارات، واستخدمت كل مهاراتي في التملق والمراوغة وحتى صنعت بعض الضحكات المفتعلة. كانت هذه الجهود المبذولة مصحوبة بالصبر والإصرار، حتى وافق والدي أخيراً وتحقق حلمي بالعودة إلى المدرسة.



كيف يكون الحلم؟

حلمتْ ميسون بتحقيق شهادة الجامعة، فتوجهت إلى مسارها بثبات وإصرار. تحدَّت الصعاب وخاضت الامتحانات الخارجية، واجتازت بنجاح اختبارات الصف السادس الابتدائي، ولم تكتفِ بذلك، بل استمرت في مسيرتها نحو امتحانات الصف الثالث المتوسط ببراعة ونجحت فيها أيضاً. ثم جاء الدور على امتحانات الصف السادس الإعدادي، وبكل إصرار وثبات، تمكنت ميسون من تحقيق النجاح.

لم تكن المسيرة سهلة على الإطلاق، كانت تقوم بإصلاح السيارات وسط مشاغل الدراسة، وحتى في بعض الأحيان كانت تخبز الخبز وتبيعه للآخرين. لكن شغفها وحبها للسيارات الأميركية كانا الدافع الحقيقي وراء تحمُّلها، على الرغم من الشكوك والتحفظات التي واجهتها بسبب جنسها، إلا أنها أصرت على أنها قادرة على فعل كل شيء، وبلا شك، استطاعت أن تثبت ذلك بتحقيقها النجاحات المتتالية.

تؤكد أنها أرادت الوصول لعالم الجامعة، تعبت وتفانت في دراستها وخاضت امتحانات خارجية في مختلف المراحل التعليمية، بدءاً من الصف السادس الابتدائي وصولاً إلى الصف الثالث المتوسط والصف السادس الإعدادي، ونجحت في كل امتحان ببراعة وتميز.




النجاح الأول

"تمكنت من دراسة اللغة العربية والنجاح بمعدل جيد جداً، والتخرج في جامعة بغداد، حاولت الحصول على عمل بشهادتي وكان الأمر شبه مستحيل، فقررت العمل في تصليح السيارات فقط، وجدت ورشة لتصليح السيارات وصبغها، وكانوا بحاجة لعامل، استغربوا في بادئ الأمر من دخول سيدة لطلب العمل ولكن اختبارهم لي جعلهم يتمسكون بي وبشدة" تقول ميسون 

– تحاول اليوم ميسون الحصول على قروض من أجل إنشاء ورشة خاصة بها تستطيع فيها جمع الفتيات اللواتي يضطررن إلى العيش في الشوارع، فتوفر بيئة جيدة لهن. تقول إنها لا تطمح إلى شيء أكثر من مساعدتهن، حين تذهب كل يوم إلى ناحية جسر ديالى، تصادف في طريقها عشرات الفتيات. تقول "أحلم بجمعهن وتوفير مؤونة جيدة لهن من عملي في الورشة، وتدريبهن، سأتمكن من فعل ذلك يوماً ما" توضح ميسون.