آفة المخدرات.. متعافٍ يروي قصة الإدمان والخلاص ويوجه رسالة للمتعاطين

تحقيقات وتقارير
  • 2-01-2024, 18:12
+A -A

بغداد - واع - آية منصور 

ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التليكرام
رغم انحسار أعداد المدمنين والقبض على آلاف المهربين والمتاجرين خلال العام المنصرم، ما زالت مشكلة المخدرات من أهم التحديات الأمنية في العراق وفقاً لقيادة العمليات المشتركة، في الوقت الذي منحت فيه الحكومة ملف معالجة المدمنين أولوية عبر افتتاح مراكز لمعالجة وإعادة تأهيل المدمنين في غالبية محافظات البلاد.
أوس علي البالغ من العمر (23 عاما)، أحد المتعافين الذين دخلوا مركزا لإعادة التأهيل، بعد أن انهك التعاطي جسده وروحه، قبل الخلاص من هذه الآفة.
يقول أوس لوكالة الأنباء العراقية (واع): إنه تعرف على أحد الأصدقاء الذين يمولون الحبوب المخدرة، مؤكدا له أنها تعالج التوتر والإرهاق، فتناولها وسرعان ما أدمنها وبدأ يعاني مضاعفاتها الشديدة.
ويضيف، "كنت مترددا في بادئ الأمر، لكني قررت أن أخبر عائلتي التي ساندتني كثيرا، وأصدقائي، وحتى مديري في العمل، الذي كان على وشك أن يطردني بسبب تغيبي بشكل مستمر، واتضح لي أن الناس لا ينبذون مدمن المخدرات كما يظن المدمن خاصة إذا أخبرهم بمعاناته، واستقبلني أحد المراكز بلطف بالغ، وقاموا بفحصي ومنحي بعض الأدوية التي استطيع أن اخذها معي إلى المنزل، انتشار هذه المراكز والنتائج الإيجابية التي حصلت مع مدمنين آخرين شجعني على طلب العلاج".
يوضح أوس، أنه "كذلك كان خائفا للغاية من فكرة الحديث عن إدمانه، الأمر الذي يجعله يواجه السجن لربما، أو عقوبة تناول المخدرات، لكنه علم فيما بعد -من أشخاص يعملون في السلك الأمني- أن الأمر تغير، ومن يعترف بإدمانه، ويبدأ العلاج فعليا لن يتعرض للمساءلة القانونية بل سيحصل على المساندة والدعم".
ويؤكد "كانت المرحلة التالية هي الدعم النفسي بعد العلاجي، وهذا أكثر ما كنت احتاجه، نعم أدرك أن الأمر ليس سهلا هكذا ولن يحصل بكبسة زر، أن أعود مرة أخرى إلى المجتمع، لكن وبشكل تدريجي يصبح الوضع أسهل" يقول أوس. 

التحديات النفسية: هل هناك نقص في الفهم؟

ويبين بحديثه لوكالة الأنباء العراقية (واع) أنه علم فيما بعد، بالقبض على الشخص الذي كان يبتاع منه الحبوب المخدرة، الأمر الذي جعله سعيدا للغاية، يضيف بقوله:
"كان هذا الشخص يخدرني بعبارات مثل "استرخ" واشعر بالراحة، أو نم بعمق، ويشجعني كثيرا لأخذ الحبوب، أرجو من هم مثله أن ينالوا عقابهم؛ لأنهم يضعونا -بلحظة من الزمن- في عوالم أخرى، يدخلونا في عالم من الأوجاع والتناقضات النفسية ويقتلون مستقبلنا وأحلامنا فيما لو بقينا نعاني الإدمان، نصحيتي لكل مدمن، لا تقتل نفسك، وسارع للدخول بأحد مراكز التأهيل قبل أن تخسر كل شيء".
يُظهر البحث العلمي أن الإدمان يؤثر بشكل كبير على الصحة العقلية والنفسية للمدمنين، تقول الدكتورة الأخصائية في علم النفس، سؤدد أحمد، إن هذا التأثير هو ما يجعلهم يظهرون أحيانًا بمظهر عدواني. ومع ذلك، هذه الصورة ليست الحقيقية. في الواقع، يكتنف الإدمان شخصية الفرد، ويمكن للمعالجة المناسبة أن تجعل المدمن يظهر بمظهر أكثر قوة، ولطفا، وفهما للأمور. ولذا، يتعين علينا التركيز على تقديم الدعم النفسي والمعنوي للأشخاص المتأثرين بالإدمان، بدلاً من التفاعل معهم بطريقة صدامية.
وتكمل قائلة: "الإدمان، بأشكاله المختلفة، يؤدي إلى تغييرات عميقة في بنية ووظائف الدماغ، يسهم في ذلك إنشاء مسارات عصبية جديدة وتعديلات في عدد المستقبلات العصبية للمدمن، وعندما تتداخل المركبات الكيميائية الموجودة في العقاقير المحظورة مع العلاجات الطبية، تتغير ديناميكية الدماغ بشكل كبير، الشخص المريض يظهر تغيرات سلوكية تجعله غير معروف أو غريبًا في أعين أحبائه، هذا التغيير الجذري يمكن أن يؤدي إلى تصرفات عنيدة أو مقاومة للتغيير، لذلك، عند التعامل مع هذه التحديات، يعتبر اللجوء إلى مراكز علاج الإدمان وخضوع المريض لبرامج العلاج والتعافي أمرًا ضروريًا".

كيف نشجع المدمن على العلاج

يجب تجنب التسميات السلبية مثل "دائمًا" للإشارة إلى فشلهم في مسؤولياتهم، ولا تقيدوا الخيارات أمامهم؛ بدلاً من ذلك، قدم فهمًا واضحًا للتبعات الناجمة عن استخدام المخدرات. توضح الدكتورة سؤدد وتبين أنه يجب تجنب تسميتهم بأنهم "أشخاص سيئون"؛ فالإدمان هو مرض وليس خللاً في الشخصية، ويجب أن يُقدم لهم الدعم والمعرفة حول أهمية البحث عن العلاج والتعافي مع إبراز أثر الإدمان على العلاقات الاجتماعية والأسرية، وكيف يمكن للعلاج أن يساعد في تحسين هذه العلاقات، وكذلك من المهم تجنب تقديم أعذار لسلوكياتهم والتحلي بالواقعية في التعامل معهم. 
"الصبر هو العنصر الأساسي في التعامل مع المدمنين، وإشراك المعالجين والعائلة يمكن أن يكون له تأثير إيجابي كبير في تحسين نتائج العلاج ودعم المدمن في مرحلة التعافي" تقول سؤدد.

وتبين كذلك، أنه يُفضل إظهار التعاطف مع المدمنين ليعزز من فهمهم ويقلل من العزلة التي قد يشعرون بها، كما أن طلب المساعدة من المحترفين المختصين يمكن أن يوفر دعمًا متخصصًا يسهم في التعافي. وأخيرًا، من المهم تشجيع المدمنين على تحمل المسؤولية عن أفعالهم وقراراتهم، مما يعزز من شعورهم بالكفاءة والقدرة على التغيير الإيجابي.

إحصائيات 

ويؤكد المتحدث باسم وزارة الداخلية مقداد ميري في حديثه لوكالة الأنباء العراقية (واع)، إن "عدد المقبوض عليهم بتهم المخدرات خلال عام 2023، بلغ فقط في مديرية شؤون المخدرات والمؤثرات العقلية ما يقارب 14 ألفاً، أما باقي الأعداد في وزارة الداخلية كافة فقد تجاوزت 19.000 موقوف على ذمة المديرية العامة لمكافحة المخدرات".
ولفت، إلى أن " عدد المحكومين بجريمة المخدرات خلال عام 2023 بلغ 7397 شخصاً، توزعت عقوباتهم بين الإعدام والسجن".  
وفي وقت سابق لوكالة الأنباء العراقية (واع)، أكد مدير عام مديرية شؤون المخدرات والمؤثرات العقلية التابعة لوزارة الداخلية اللواء أحمد صالح الركابي، إن "هناك 7 مراكز للتشافي من إدمان المخدرات تابعة لوزارة الصحة، متوزعة على محافظات البصرة وذي قار وبابل وثلاثة من تلك المراكز في العاصمة بغداد". 
وأوضح، أنه" بحسب توجيهات رئيس الوزراء ووزير الداخلية تمت المباشرة بإنشاء مراكز إعادة تأهيل (مصحات) قسرية تتولى معالجة وتأهيل المتعاطين ممن يلقى القبض عليهم، وتم إنجاز مركز منها في الأنبار، وهنالك آخران في صلاح الدين والنجف أوشكا على الانتهاء، وهنالك مراكز أخرى ستنجز في المحافظات".
وتشير المادة 40 من قانون المخدرات إلى أنه في حالة مراجعة المتعاطي أو المدمن إلى مراكز التأهيل التابعة لوزارة الصحة بشكل طوعي، فإنه يُعفى من أي تبعات قانونية، وفي المقابل، يتم معاقبة المدمن الذي لا يلتزم بتسليم نفسه للعلاج بالحبس لفترة تتراوح بين سنة وثلاث سنوات.