سارة بيفين.. إبداعٌ يقف خلفه كتف وفم

ثقافة وفن
  • 23-06-2022, 08:59
+A -A

داليا البيرغ
  ترجمة: ليندا أدور
 
ولدت في العام 1784 بلا ذراعين ولا ساقين لأسرة تمتهن الزراعة، وبلغ طولها عند البلوغ 37 بوصة فقط، حتى وصفت بأنّها "الأعجوبة من دون أطراف"، إنّها الرسامة البريطانيّة من العصر الفيكتوري، سارة بيفين، التي رسمت وكتبت وأخاطت بفمها وكتفها.
تغلّبت بيفين على محن ومتاعب الحياة، لتحظى باهتمام واعتراف بموهبتها البارزة كرسامة في عصرٍ كان يتمُّ فيه، بشكل عام، تجاهل البراعة الفنيَّة للنساء والأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة والمعاقين. اليوم، يحتفي معرض فنّي كبير بسارة بيفين كامرأة ملهمة لم تتحدَّ الإعاقة فحسب، بل رسمت المنمنمات واستخدمت الألوان المائيَّة لتصوير الجمال الرائع الى الحد الذي اعتبرت فيه الملكة فيكتوريا من بين زبائنها الدائمين.
يقام المعرض في شهر تشرين الثاني المقبل في إحدى قاعات بشارع بال مول المملوكة لشركة  فيليب مولد وشركاه بلندن، والمتخصصة بالفن البريطاني لأكثر من 35 عاماً. يقول مولد، مقدم السلسلة التلفزيونيّة "مزيف أم ثروة" من على قناة بي بي سي الأولى: "لكونها فنانة من الطبقة العاملة وتعاني من الإعاقة، فإنَّ أعمالها، التي وقّعت على الكثير منها، بفخر، بعبارة "من دون أطراف"، تعد شهادة واعتراف بموهبتها وعزيمتها طوال حياتها. لكن بالرغم من نتاجها الفني الغزير وظهورها في العديد من المذكرات والخطابات والأعمال الأدبيّة المنشورة لشخصيات بارزة في عصرها، تم تجاهل حياة بيفين، إلى حد كبير، من قبل مؤرخي الفن حتى الآن".  
نشأت بيفين، التي ولدت وهي تعاني من "تفقم الأطراف" الخلقي، في مقاطعة سومرسيت الريفيّة جنوب غرب انكلترا، وقد علّمت نفسها بنفسها الكتابة والرسم والخياطة واستخدام المقص. كانت تتمتع بتصميم وعزيمة استثنائيين، واللذين تجسّدا عند حضورها للكنيسة مع أسرتها، كانت ترفض بيفين أن يحملوها، وتصرُّ على أن تجتاز الممر دحرجة وصولاً إلى مقعدهم. عمل والد بيفين كمزارع وإسكافي وبزاز، وأسهمت بيفين بدعم دخل الأسرة من خلال الأرباح السنويَّة التي تجنيها وهي خمسة جنيهات استرلينية عن ظهورها في مهرجان إيمانويل ديوكس المتنقل. 
لكن حظوظ بيفين في الحياة تغيّرت بعد أن جلس إيرل مورتون، لترسم له صورة شخصيَّة في معرض سانت بارثولوميو بلندن، فأبدى إعجابه بموهبتها، وتكفّل بدفع المبلغ مقابل تلقيها تدريباً على يد ويليام مارشال كرايغ، الرسّام المعروف. 
في العام 1816، اختطت بيفين مساراً جديداً لنفسها كفنانة مستقلة وبدأت بتلقي تكليفات من النبلاء والملوك. وقد حظيت بشهرة واسعة، إلى حدِّ أن يأتي تشارلز ديكينز على ذكرها في روايته "متجر الفضول القديم The Old Curiosity Shop"، عندما تحدث عن "سيدة صغيرة بلا ساقين أو ذراعين". لكن، يبدو وكأنّ ما عانته لم يكن كافياً، لتعيش ألم قلبها المحطم بسبب، ويليام ستيفن رايت، "الوغد" الذي تزوّجها، ثم اختفى فجأة بعد أن سرق أموالها، تاركاً لها بدلاً سنويّاً قليلا، حتى وفاتها في العام 1850 عن عمر 66 عاماً.
انعكس الاهتمام بأعمال بيفين في السنوات الأخيرة من خلال الارتفاع في قيمة وأسعار أعمالها الفنيّة، ففي العام 2019، بيعت إحدى صورها الذاتية المصغرة بأكثر من 167 ألف دولار أميركي، والذي يعد مبلغاً كبيراً بالنسبة لفنانة غير معروفة. 
في معظم لوحاتها، صورت بيفين فرشاة رسم وقد خيطت في كم فستانها التي كانت تحركها من خلال كتفها وفمها. سيضم معرض "بلا يدين: فن سارة بيفين"، إلى جانب الصور الشخصية التي رسمتها بيفين، فضلاً عن صورها الذاتية، لوحات حياة ساكنة Still life، كلوحة "دراسة الريش" التي نفذتها بدقة فائقة وواقعيّة، وكذلك رسائل كتبت بخط اليد، والتي تكشف عن حسِّ الفكاهة لديها أكثر من المرارة والوجع. 
كونها كانت غزيرة الإنتاج، يرى مولد بأن العديد من أعمال بيفين الفنيّة لم يتم اكتشافها حتى الآن، ربما لأنّها نسبت لشخص آخر، لأنّها وقّعت بعضا من لوحاتها باسم زوجها، "السيدة رايت".
 
 *صحيفة الغارديان البريطانية