ما لايطاق في الثرثرة

ثقافة وفن
  • 25-10-2021, 08:34
+A -A

ياسين طه حافظ
طبيعي أن يهب المرء جزءاً من حياته لكي لا يخسرها  كلها، لكن لمن يهب هذا الجزء؟، لا بد من عمل جاد، من مشروع، من ضوء نسير للوصول اليه، هذا جعلنا على معرفة بكتّاب  كبار وفنانين وتجار واصحاب مشاريع. هم يمنحون جزءاً من حياتهم، والجزء ربما الأكثر توهجاً ونشاطاً... لكنهم حاضرون في الحياة ويسهمون في دورة الماكنة الكبيرة. كذا، الممثل، البائع الجوال صناع الادوية والاسلحة ومنتجو الكتب.

ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التليكرام
نرضى عن هذا وقد لا نرضى عنه او عن مهنته، هو يعمل  وهو يضحي بجزء من حياته لكي لا يخسرها. لا شك ان الاسترخاء والطفو على الزمن  بسكينة والنجاة من الصخب، ما نرتاح له لكننا في حال الخشية على سطح الماء. سكينة وانتهاء. حتى في الشعر يكون شعراً فاقداً للروح المتوهج وللاشتباك المقدس بالتفاصيل.
ليس الانصياع والتخلي طريقاً للسعادة، قد يكون للاستراحة لمعاودة الحياة او قد يكون للتأمل والرؤية الأفضل قبل التيه او ارتكاب الخطأ.
نحن  نريد السعادة ونريد نكسب مالاً. لنعيش بلا ثمن. ثمة ثمن يجب ان يدفع لتأكل، لتسكن ولتغتسل من دخان الطريق والغبار. الحاجة للمال، المال العنيد والصلف والأصم، تستلب الحصة، ربما الحسنى من حياتنا. ونحن نحسد اصحاب المال لشيء واحد، أننا بالمال سنحتفظ بزمن اهدأ، ونحتفظ بالوقت الأفضل لأنفسنا. العالم لم يصنع لنا. 
نحن نجهد لنعيد صنعه، ليسمح لنا بأن نكون ضمن ماكينة الاحياء، صحبة مالكيه «الأزليين». هذه مهمة ليست سهلة، هي مغامرة بشرية كبرى وشجاعة. أنا لا أتحدث في السياسة، السياسة عمل في السطح، في إعادة صبغ او تلوين قشرة العالم. 
الجوهر يبقى في لمعان عبر كل العصور. واولئك الذين يتابعونه ويبعدون عنه غبار الزحام ناس ممتازون، ربما اختارتهم الحياة لتلك المهمة.
ومهمة القديسين هذه  تريد طهارة وصمت تأمل او عبادة. وتريدنا أن نحتفظ  بأحلامنا بأن يُرى لمعان الجوهر من الجميع.
الصخب ليس سيئاً إلا اذا خلا من لمعة الجوهر الانساني  ورهافة الوردة. وهذه مهمتنا. 
هذه يصفها الذين اختارتهم الحياة لهذه المهمة.
وهذا التمكن، هذا الاتساق والألفة مع المعنى، يقرب المسافة ويجعل الوقت صافياً، فالنعرف كيف نقرب من الجوهر ولا نكدره. الطريق مقدس، فكن طاهراً، تقول لافتة أول الطريق.
نحتاج لان نكون في مستوى العالم لكي نفهمه. 
لكن لا نكون في مستوى ضوضائه ورعونة التنافس فاقد التهذيب. لا نكون مسهمين في تكويم اللغو، فنكرم اللامعنى ويظل المعنى بعيداً ينظر بصمت. اللغة التي تطلع نجوما وموسيقى وآلهة، نكلم من خلالها التاريخ والحقيقة والملائكة والارواح الغائبة في الكون الكبير. هذه اللغة تحتاج الى مكان نظيف، الى وقت خاص بها، الى ان لا ندلقها كماء وسخ. كثير من هذا في  المكاتب، في المقاهي، في مزادات الفهم.
لا فخر في اللاشيء، الكلام الفارغ يستدعي الغثاء من كل مكان.. ولا نملك وقتاً بلا حدود. كثير مهم نريد كشفه او  التعاون على امتلاكه او وضعه في مكان يريحنا. 
غير معقول ألا نفرق بين الهذر الممل والحكمة الموجزة، بين عطل أصلحه  في سيارته أو ساعته وخلل في مركبة الفضاء. 
حجم الانسان  بما يتكلم عنه. المؤسف ان اللغو يملأ الفراغات حولنا. الفضائيات تلقي والبيوت والمنظمات والمقاهي والشارع حتى نكاد لا نميز شيئاً عن شيء، طوفانات لغو وانفلات صخب واللغو وجد الطريق من زمان الى الكتب. 
حتى الصحافة أوراق واسعة محملة باللغو، نحرق منها الكثير ولا ينتهي. هل احد يسحب الجمال اليه ليهبه ارتياحاً، لينال بعضاً منه، ليسأله كيف يراه مرة ثانية؟ القصيدة، اللوحة، الوجه النادر، يقول الابعد يقول ولا يدلق الكلام، ويقدم المعنى بما يقرب الصمت. كل شيء ثمين لا يتكلم او يتكلم قليلاً عما يدهش يدلك على المعاني ببضع كلمات.
ما أريد قوله هو مدى ما نخسره 
من احترام في ما لا يطاق من 
الثرثرة...