الرئيسية / الحوار الأدبي ومشاغله

الحوار الأدبي ومشاغله

قيس عمر

تستطيع القراءة الفاحصة رصد بعض من الحوارات التي أنجزت داخل المدوّنة الكتابيّة التي كانت لها أهمية جماليّة- معرفيّة، ولعلّ في الطليعة التاريخية- المعرفية لهذه الحوارات، المحاورات الفلسفية التي دشّنتها الثقافة اليونانيّة، لا سيّما مع سقراط، تلك التي نتج عنها (التوليد الحواري) الذي (هو منهج سقراطيّ يوظَّف لاستخلاص الأفكار عبر سلسلة استفهامات لاستدراج المخاطب إلى البحث عن الحقائق)، ولقد قيل في سقراط ومنهجه الحواريّ (إنه يسأل أكثر مما يجب، ويترك عقول الرجال أكثر اضطراباً مما كانت عليه قبل المحاورة)، ولا غرابة أن تكون نتيجة الحوار مع سقراط هنا بهذا التوصيف؛ وذلك بسبب من التفاوت بين العقول المتحاوِرة من جانب، ومن جانب آخر هو أنّ الحوارات التي أنجزها كانت مثل كشّاف يستخدم داخل المنطق، وقد استطاع سقراط من خلال الاعتماد على الحوار أن يقدّم روح العلم الجديدة، فوجد أنّ الحوار هو كشف عن جواهر الأشياء وتمحيص لما هو داخلٌ فيها، كما استطاع من خلال الاعتماد عليه أن (يحقّق موقفاً معرفياً جديداً في الفكر اليونانيّ في رأيه، فهو القوة التي بوساطتها تستكشف أصول الخير بتنظير جديّ يعتمد الحوار المتبادل، وينهض على أسس من عمليات التذكّر أو التوليد). فسقراط يجعل محاوره يتوصّل إلى وضع تحديدٍ للأشياء والمسمّيات من خلال استدراجه إلى سلسلة من التوليدات التي تقود الطرفين إلى نوع من تحديد جواهرها.

 الزوايا المميتة

 في بعض الأحيان تستدعي اللحظة نوعاً من القراءة الاجمالية التي تكشف عن المنجز الكتابيّ في فنّ الحوار، وتهتمّ بتحديد أماكن الخطأ، وتحديد مسارات إنجازيّتها على المستوى المعرفيّ الجماليّ، ومن هذا المنطلق يمكن القول إنّ الكثير من الحوارات الأدبيّة التي أنجزت ضمن الفترة التاريخية المتعلّقة بالأدب الحديث والمعاصر، كانت واقعة في بعدٍ مغرق في الذاتية والتقليدية، ويمكن لي أن أحدّد بعضاً من المسارات التي شكّلت منهجاً أوقع هذا الفنّ في زاوية عقيمة، وجعله بعيداً عن فعل القراءة الفاحصة المعرفيّة، فصار هذا الفنّ "هامشيّاً" و"منسيّاً" وغير مفعّل داخل دائرة الأدب ونقده.

على المستوى الإجرائيّ للحوارات لم تنل الحوارات الأدبية بعامّة أهمية كبيرةً فدفعت إلى الهوامش الثقافية، وغالباً ما بقيت في الظلّ، وهذا يرجع لأسباب كثيرة ومتنوعة ولعلّ في طليعتها:

يمكن للقارئ رصد الطبيعة الخطيّة المملّة لتلك الحوارات، فتجد الأسئلة التقليدية التي تقع في خانة "البطاقة الشخصية" هي المهيمنة، وليست الأسئلة المتعلّقة بالمعرفة والكتابة، وهذا ما يحوّل الحوار من كونه بنية توليديةً إلى حوار ذي بنية "استنطاقيّة" أو "استجوابيّة" شخصيّة، ذاتيّةٍ، في حين أن الحوارات المعمّقة تحتاج إلى فلسفة المحاوِر لا إلى استجوابات خطيّة ذات طبيعة استاتيكية، ويمكن التدليل على هذا عبر جمل حواريّة جاهزة، في حين تحتاج الحوارات الحقيقية إلى عقل حواريّ توليديّ، بمعنى أنّ السؤال الأول واجابته ستصيغ السؤال التالي.. وهكذا، بمعنى آخر سيكون العقل المحاوِر قادراً على التحليل، والاستنتاج، ومن ثم تحويل الإجابة إلى محور استفهاميّ يعمّق مجرى الحوار. فالحوارات الباسلة معرفياً تحتاج إلى طبيعة ديناميكية متحرّكة تحفر في العمق.

غياب مبدأ عدالة العقول: يمكن للقارئ تلمّس غياب هذا المبدأ عبر غالبية الحوارات التي تمّت بين مفكرين وفلاسفة وأدباء من جهة، وبين صحفيين من جهة أخرى، هذه الحوارات تكشف عن عدم تكافؤ العقول المتحاوِرة مما ينتج حواراً ذا طبيعة تقليدية/ مدرسية/ فضائحيّة/ تلصّصيّة/، بمعنى آخر يلجأ "العقل الصحافيّ الأدبيّ" إلى رصد الشخصيّ والسريّ من حياة الشخص المتحاور معه، ويسعى جاهداً لتحقيق ضرب من الكشف عن أسرار الكاتب الشخصيّة والحياتيّة..، وبالنتيجة سيكون هناك حوار لا يفصل بين الجمالي المعرفي، وبين الشخصيّ الذاتيّ. هذا النوع من الحوار لن يولّد لنا سوى حوار مكبّل بطبيعة سكونيّة.

إنّ الحوارات التي أجريت مع مفكرين وأدباء وفلاسفة، لم يكن يُنظر إليها على أنّها من صلب الاشتغال الجماليّ المعرفيّ، وإنّما تمّ التعامل معها على أنّها خارج المدار الفكريّ للكاتب، ومن هنا تشكّلت لدينا نظرة تدفع بهذه الحوارات إلى زاوية الذّاتي الضيّقة.

التقطير المعرفيّ

يذهب مورجان إلى أنّ الحوار هو (تقطير لا تقرير، وسيلة شكليّة للنفاذ إلى جوهر الأشياء). بهذا المعنى الحيويّ يذهب مورجان مباشرة إلى قلب كلّ انجازيّة حوارية، ويمهّد لكلّ ممارسة تفاعلية تتغيّا الجوهر الحواريّ لا التقرير اللفظيّ، ولا شكّ أنّ هذه الممارسة الحواريّة لا بدّ أن تتسم بالقدرة على الهضم، هضم البنية الخطابية للمحاوَر ومن ثم امتصاصها وتحويلها إلى أسئلة ناجزة وقيّمة يعاد انتاجها على شكل سؤال توليديّ نابع من جوهر الإجابة السابقة. من هنا فإنّ جوهر الحوار المثمر هو النفاذ إلى صلب الجوهر المعرفيّ والتّموضع فيه؛ من أجل تفكيكه وتقطير روحه تقطيراً يكشف عن كلّ ما هو موضوعيّ للمعرفة. بهذا المعنى الصّلد ستكون لكلّ حوار غائيّةٌ يسعى إليها، ولا شكّ أن تكون غائية هذا التفاعل الحواريّ هي التوصل إلى (توليد الأفكار الجديدة في ذهن المتكلّم) وهذا لن يتمّ إلّا عبر سلسلة من التوليدات النابعة من الحوار المقطَّر.

يمكن للقارئ الحصيف الباحث عن الجواهر النفيسة للحوارات ومشاغلها أن يكتشف مجموعة من المحاورات الأدبيّة التي أُنجزت في تاريخ الأدب الحديث، كما يمكن له رصد القيمة الجماليّة المعرفيّة في هذه الحوارات التي تتمتع بالقدرة على الخلخلة والتّجاوز والإضافة، وتكشف عن تجاور العقول المتحاوِرة تناغماً وتقاطعاً، في آنٍ، على المستوى الفكريّ والفلسفيّ والفنيّ، كما تكشف عن مبدأ عدالة العقول وعن أهمية الرصد الدقيق والمتابعة لأعمال هؤلاء الأدباء والمفكرين.

 على المستوى الأدبي في العصر الحديث، يمكن لنا الإشارة لحوارات فاعلة بالمعنى التزامنيّ والتعاقبيّ مثل حوار(أندريه سكالا وجيل باربدات مع فوكو)، حوار(موريس نادو مع بارت)، حوار (فوكو- تشومسكي)، حوار (باريس ريفيو مع ماركيز)، حوار (وليد سيف مع نصر حامد أبو زيد) وحوار (جميل حتمل مع أدونيس). هذه النماذج تقع في خانة الحوارات المُتجدّدة دوماً والمتصلة عمقياً بنواة الكتابة، كونها تنهض على عوامل منحتها ضرباً من الاختلاف والمغايرة.

 


ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التليكرام

26-10-2021, 08:35
المصدر: https://www.ina.iq/139546--.html
العودة للخلف