الارتدادات النفسيَّة للأزمة السياسيَّة

مقالات
  • 20-06-2022, 08:00
+A -A

 ابراهيم العبادي
ترصد الأبحاث والدراسات الحديثة، انعكاسات وارتدادات الأزمات السياسية والاقتصادية على الصحة النفسية للانسان، فما من حرب أهلية أو صراع ساخن أو ركود اقتصادي، مصحوب بمستويات فقر كبيرة وتهميش واسع للفئات الضعيفة في المجتمع، الا ويترك أثره النفسي على الأفراد، ليتبدى لاحقا في سلوك مضطرب واتجاهات سياسية تميل إلى الحدية والعنف.

ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التليكرام
 
ركزت أكثر أبحاث علم النفس السياسي على نزاعات الهوية والعنصرية والإرهاب والإبادة والهجرة والانتخاب، وتراكم تراث كبير من المعارف العلمية، التي وفرت منهجية نظرية وتطبيقات قادرةعلى قياس الآثار والارتدادات المختلفة للأحداث الفردية والجماعية الكبرى على تفكير وسلوك الافراد اللاحق، ومن ضمنها الانضمام إلى جماعات مسلحة، او ذات اتجاهات تدعو إلى التغيير والإصلاح السياسي والاقتصادي، أو إلى جماعات تتبنى رفض الواقع وتجنح إلى افعال صادمة للمجتمع او تؤثر الانسحاب إلى الزوايا البعيدة، وتنخرط في عالم الروحانيات والغيبيات للتغلب على وحش الواقع المادي الصادم.
في العراق يعيش الناس هوس الانشغال بالسياسة والسياسيين، في ظل قناعات بغنى البلاد وتناقض هذه القناعة مع واقع دال على عدم الكفاءة، وهدر الموارد وضعف الانجاز، وراهن متخم بالبطالة والفساد وضعف الخدمات، كما ينتشر الفقر وتتزايد حالات الإدمان والعنف الاجتماعي والانتحار وتفكك الأسر. هذه المؤشرات السلبية لا ينفرد فيها العراق وحده، لكن المفارقة الكبيرة تكمن في اتساع الفجوة الاخلاقية بين الجمهور وطبقته السياسية، حيث يحمل الناس السياسيين المسؤولية كاملة عما يكابدون من مشقات، ويعتقدون أن هولاء السياسيين غير مبالين بواقع الفئات الاجتماعية، التي تشعر أنها لا تحصل على ما تستحق من ثروات بلادها ولا أمل لها بمستقبل خالٍ من المشقات والصعوبات الحادة.
هذه الشروط الحياتية المنتجة لكل أنواع الغضب والإحباط والعدوان، ترتد نفسيا واجتماعيا بما يشبه السلوك الارتيابي العام، حيث تنخفض الثقة الاجتماعية المتبادلة، ويظهر نمط من العلاقات طرفاه، جاني ومجني عليه، جلاد وضحية، سارق ومسروق منه، هذه العلاقات تتكرس يوما بعد آخر دونما اكتراث من السياسيين، او أنهم لايقدرون نتائجها المستقبلية، رغم ما يبدو على بياناتهم واجتماعاتهم من قلق واعتراف بصعوبات الظرف السياسي والاقتصادي في البلاد.
حينما تفشل أخلاق المسؤولية السياسية والاجتماعية في دفع السياسيين إلى التنازل المتبادل وتقديم المصلحة العامة، لا بدَّ أن يكون الخلل بنيويا، متجذرا في الثقافة السياسية وابجديات العمل السياسي في نظام يتعلم مبادئ الديمقراطية دونما قدرة على تمثلها في الواقع.
نظرة سريعة تكشف أن المختلفين سياسيا ينتمي معظمهم إلى أصول فكرية واحدة، لكن ما فرقهم هو الخصومة الشخصية والتقابل الحزبي، الذي يتلبس بلباس الاختلاف المفاهيمي والفكري، غير أن الصراع هو الصراع نفسه الذي تجذر في حياة المسلمين السياسية، الصراع على من يجلس بمقعد من يقود، وإلى اي جبهة او محور ينتمي؟ وبينما تنقسم الساحة السياسية ويزداد طابع الخصومة سخونة، يبدو الجانب اللا مرئي أكثر سخونة، فهناك المئات بل الآلاف الذين يعيشون صراعا نفسيا داخليا قد يخرج إلى العلن، فيجد الأفراد من يتوافق معهم في الرؤية، أنهم بلا شك يتساءلون عن الجهة أو الجماعة أو الزعيم، الذي يحملونه مسؤولية التردي والإخفاق؟ عمن يرونه مسؤولا عن تعاستهم أو مصدر إحباطهم، عمن تسبب في هدر حياتهم وجعلهم أناسا مهدورين أو شخصياتٍ مهدورةً، كما يسميهم الباحث النفسي مصطفى حجازي.
لا نتوقع رد فعل متماثلا او متشابها، لكن عالم الازمات والاحباطات والغضب، يحمل اناسا على بناء أيديولوجيات خلاصية، ويدفع آخرين نحو التجمع في جماعات احتجاجية، ويسوق صنف ثالث نحو الانتقام والثأر، بينما يتجه غيرهم إلى مشاريع الاصلاح والتغيير،  قد تكون ديمقراطية سلمية وقد تكون انقلابية ثورية.
مجتمعنا يختزن غضبا كامنا، هناك استعداد للتطرف كما هو متوقع من كل مجتمع مأزوم، وهناك تجارب تاريخية سطرت دروسا في ديناميات العمل السياسي والفاعلية الاجتماعية التي انتجتها، فبينما تهيم اتجاهات نحو الحركات المهدوية والسلوكية الصوفية لتجد جوابا لأسئلتها وأزمتها، تذهب اتجاهات لتصنع حيزها السياسي وتضغط باتجاه الحصول على استحقاقها من مساحة الحكم والسلطات ومؤسسات إنتاج الدور السياسي.
نحتاج إلى قراءة سيكوسياسية معمقة لجوانية الحياة العراقية، وهي تتفاعل مع واقعها المثقل بالازمات والمنتج، لكل أنواع الاستجابات العادية والخطيرة، العقلانية تستدعي الحذر الشديد والتصرف بعد قراءة معمقة، لمجتمع يراقب ويطلق الإنذارات للعقول النابهة. لنتذكر أن جمهور جماعات الارهاب تغذى من الأزمات السياسية ومعاناة السجون والتعذيب، ليجد مسوغات لانخراطه في مشروع السلفية القتالية، وإن جذر هذه الحركات نبت في سجون جمال عبدالناصر (ت1969) ووجد في فكر سيدقطب (ت1966) رؤية دينية لتفسير واقعه والعالم من حوله،  وانتهت الأمور إلى توالد مخيف لحركات القتل والقتال والتكفير والهجرة، ويوتوبيا العالم البديل عالم (دولة الخلافة على نهج النبوة)، في الحقل الشيعي سنشهد المزيد من الطقوسية الهوياتية والاحتجاج المتحرك باتجاه الالحاد والباطنية المتأولة للرمزية الدينية، وربما نجد من يحاول إعادة تجربة قلعة الموت الاسماعيلية في القرن السابع الهجري والبابية، التي انجبت ما بعدها في القرنين الثامن عشر 
والتاسع عشر.