هلوسات التخوم

ثقافة وفن
  • 6-07-2021, 08:42
+A -A

ياسين النصير

ما كنت يوما اقتنع أنني سأبقى حيًا دائمًا، ففكرة الموت تصاحبني، يوم كنت تلميذًا في دار المعلمين الابتدائية لا يتجاوز عمري الرابعة عشرة، قلت لأصدقائي اتمنى أن أعيش الى العشرين من عمري، ولما وصلت العشرين وكنت معلمًا قلت لنفسي ياه ما اقرب الثلاثين

 للموت.

ليس الغرض هو الكتابة عن الحياة بمرافقة الموت، فقد تعلمنا أن نجد الاثنين سوية في الجسد وفي الحياة، عندما تواجهك قوى تفرض عليك رأيها فتشعر أنها شكل من اشكال الموت. هكذا بقي الشكل الجدلي للحياة حتى وانا انتقل للعيش في اوروبا، في مدينة لاهاي الهادئة الخضراء وخلفي مئات الاسماء من الفلاسفة والمفكرين الذين فكروا ايضا ان الحياة موت متقطع، جمالها هو الإحساس بالموت وعندما لا تجد ثمة احساسا اخر غيره تذهب إلى اقرب بار لتحتسي

 نبيذا.

في هذا الوقت الذي شعرت فيه أن الموت يرافق الأشجار والطرق والبنايات والإنسان والعربات قررت ان اكتب رواية، لا لشيء او عجز في ثقافتي، إنما لشعوري انني مارست الحياة ضمن حلقات الموت الكثيرة، الا تستحق هذه المعايشة كتابة حكايتها؟ ولم يكن بد من معايشة هذه الظاهرة كما لو كانت دوارة هواء لا تستقر تجرف في دورانها الحشائش والاعشاب واواني الطبخ والشعور والذاكرة ثم تغيبها في جوفها الدوار من دون ان يبقى لك أثر.

انا ابن ساقية وشط وملتقى انهر، فالدوامة المائية التي أتحدث عنها مثال على ان كل من يجاورها سيصيبه وجودها بلوثته الحرارية، ويبقى يدور في فلك يبتدعه هو، ثم يضيع فيه من دون أن يبقى له أثر.

في المرات التي تنحل شخصيتي في دوامة الماء أو الهواء أو التراب أو النار، استعيد وجودي لأجد نفسي كما لو ولدت من جديد، شخصا متطلعًا العثور على دوامة أخرى كي اندمج فيها كي اضيع في عالم الأشياء.

استغرب من كاتب يكتب مقلدًا لكاتب آخر لايعترف انه ليس إلا تلميذ فاشل، أليس هذا موت في الحياة، ليس هذا فقط، بل إن كاتبًا آخر يدعي انه مجدد لايعرف إن كان هذا الفيلسوف فيلسوفا ظاهراتيا أو براجماتيا أو ماركسيا او وجوديًا، وإذا بالكاتب النحرير لايجد إلا في هذه الضآلة من المعرفة ضالته، فيروح ينبت فسائل نخيله في هواء ويدعي انها ستثمر

قرأت مرة لمسؤول كبير ليست قراءتي لما كتب، فهذا المسؤول لا يكتب ولايقرأ، ولكنه أصبح وزيرا، ووزيرا لوزارة تتعلق بشؤون البلاد والعباد، اقتصادا وثقافة وسياحة وعلما وزراعة وتجارة وعلاقات دولية، وإذا به ينتدب شخصًا لا يعرف لغة أجنبية وينصبه مديرا للألسن، كان ذلك قد حدث في البلدان الاسكندنافية كما يقول مدني صالح، أو في الارجنتين كما يقول شركاء مهربي الأفيون، حسنا أليس هذا موتا في الحياة عندما تعين شخصًا لايعرف اللغات مديرا لدائرة عن اللسان البشري؟، ليس هذا فقط، فنحن لا نعرف عن الموت إلا تعطيل الجسم من النبض والحركة والكلام والرؤية، فما بالك بشخص يدعي الفن وهو لا يملك عينا تبصر ولاذاكرة تجمع متفرقات ولا ثقافة توحد بين المفترقات، رسام وكأنه لايرسم بل يفعل ماتمليه عليه اقوال الآخرين، أليس هذا هو الموت في الحياة، ولن أطيل فالموت الذي يعشش فينا ليس شكلا واحدا يعطل الجسد، بل هو موت فكرة الحياة عندما لا تنتج شيئا فيها.

 


ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التليكرام