في مستوطنة العقاب كيف صنع كافكا آلة التعذيب؟

ثقافة وفن
  • 1-07-2021, 09:09
+A -A

هدية حسين
 
هو نفسه القاضي وهو المنفذ للحكم، ما المختلف إذن في رواية كافكا، فمنذ بدء التاريخ البشري كانت الجريمة، وكان ثمة قابيل وهابيل؟ المختلف هنا آلة التعذيب الرهيبة التي من خلالها أدار فرانز كافكا عمله هذا، آلة لا تشبه أية آلة أخرى في زمنه المحدد بين (1883 - 1924) لا ندري إن كان لتلك الآلة وجود حقيقي في ذلك الوقت أم أن مخيلة فرانز كافكا ابتكرت هذه الآلة وهو المرجح لمن قرأ أعمال كافكا واستقصى مخيلته.
قبل الدخول الى هذا الكتاب الذي يحتوي قصتين هما (مستوطنة العقاب) التي حمل الكتاب عنوانها و(بنات آوى وعرب) سنقرأ أولاً كلمة المترجم كامل يوسف حسين التي يقول فيها عن القصتين (إنهما ينتميان الى أرفع تقاليد الأدب العالمي وأكثرها عبقرية) أما لماذا اختار المترجم هذين النصين من بين أعمال كافكا فلأنهما يمثلان الرد على ما يقوله كثير من النقاد العرب من أن كافكا يحمل فكراً صهيونياً لكونه يهودياً، بينما ينفي المترجم بدلالة هذين النصين ما يشاع عنه، ويقول (إنني أعتقد جازماً أن كافكا لم يكن فقط رافضاً للفكر الصهيوني وإنما أعلن عداءه الصريح والقاطع لهذا الفكر أيضاً وبالتحديد من خلال العملين الماثلين في هذا الكتاب)، ويورد أيضاً مقولات بعض الكتاب الغربيين للتدليل على ذلك، سنترك للقارئ كلمة المترجم وهي بتسع صفحات وقصة (بنات آوى وعرب)، بتسع صفحات أيضاً، وندخل مستوطنة العقاب بحذر شديد فهي التي سنتناولها في هذه المقالة، وعدد صفحاتها 63 صفحة وستة أسطر، تبدأ القصة وتنتهي في مكان واحد يضم الآلة والحفرة المُعدة لطمر أشلاء
الضحية.
ليس ثمة مقدمات طويلة توصلك الى مستوطنة العقاب، ما إن تبدأ القراءة حتى تجد نفسك وجهاً لوجه أمام الآلة والضابط الذي يُهيئها للعمل والمستكشف أو المحقق الكبير الذي جاء الى المستوطنة من بلد آخر، مهمته الاطلاع على تنفيذ حكم الإعدام وتقييم الطريقة التي يُنفذ بها وليس له حق الاعتراض، وسترى في زاوية قريبة من الاثنين ذلك الجندي الصامت الذي ينتظر موته (مخلوق بادي البلاهة، فاغر الفم، تكلل الحيرة وجهه) ص19، وسيقشعر بدنك لِما يتحدث به الضابط للمستكشف عن عمل الآلة التي اخترعها القائد السابق الذي أسس لنظام العقاب هذا، آلة تعمل بثلاثة أجزاء، الجزء الأسفل يسمى المرقد، حيث يرقد فيه المحكوم بالإعدام، والأعلى يسمى المصمم وفيه عجلات مسننة، وبينهما ما يسمى بالمسحاة وهو الجزء الذي يقوم بالتنفيذ الفعلي للحكم، مثبت فيه إبر تخترق الجلد.
كل ما يأتي من شرح مرعب عن عمل الآلة وكيف تمزق الجسد يكون على لسان الضابط للمستكشف وعلى مقربة من المحكوم بالإعدام، وهو شرح لا يحتمله أصحاب الحس الرهيف لأنه قاسٍ الى أبعد ما يتصوره العقل، ترى ما هو ذنب هذا الجندي الذي قرر الضابط الحكم عليه إعداماً بهذه الطريقة؟ إنه ليس أكثر من جندي خادم عند أحد الضباط برتبة نقيب، كل ما قاده الى هذا المصير أنه نام أثناء الواجب وبذلك لم يكن يقظاً ليؤدي التحية للنقيب فرفع الأخير تقريراً بذلك الى الضابط الذي يقوم بدور القاضي، وجاء حكمه هذا من دون الاستماع الى دفاع الجندي، لأن الاستماع الى الجندي يعيق النظام المتبع في المستوطنة، إن موت هذا الجندي بهذه الطريقة من وجهة نظر الضابط تعني الوطن والذنب ينبغي ألا يكون أبداً موضع شك! هذا ما يقوله للمستكشف الذي نادراً ما يتكلم، وإذا تكلم فليس أكثر من استفسارات يطرحها على الضابط تخص عمل الآلة.. هل هناك أبشع من هكذا
عقاب؟ 
يتحول القارئ لهذه القصة الى مشاهد غير حيادي، لا يمكنك أن تكون حيادياً وأنت ترى الظلم والعذاب النفسي للجندي وكيفية عملية الموت القاسية التي تبدأ بارتعاش الجسد الذي ستخرّمه الإبر المسننة ثم.... سيكون صعباً هنا أن تعيد ما يتحدث به الضابط عن الموت بهذه الطريقة، حتى الكلمات المستخدمة في الوصف قاسية، لكأن الرعب يتسلل إليك من خلال عيني الجندي المسكين، يا له من كابوس أتقن كافكا صناعته من خلال هذه الآلة المرعبة، وبالكلمات جعل القارئ يرى كل شيء كما لو أنه يشاهد فيلماً من أفلام الرعب، إنه شيء مخيف حقاً، كيف للإنسان الذي يعتقد بأنه سيد الكائنات أن يخترع آلات تعذيب لأبناء جلدته من دون أن يرف له جفن أو يوخزه ضمير، من أي طينة خُلقت هذه النفوس؟ ولو كان كافكا قد عاش في زماننا هذا ماذا سيكتب عن آلات التعذيب التي طورتها الأفكار الشريرة لسحق البشر وتناسلت مثل الفيروس لتشمل العالم كله؟.