ثنائيَّات التناقض الاجتماعي في رواية (حب عتيق)

ثقافة وفن
  • 8-05-2021, 09:18
+A -A

حبيبة محرزي 

تنطوي رواية (حب عتيق) للروائي العراقي علي لفتة سعيد على الكثير من الأسئلة التي يمكن ان يضعها القارئ.. وهنا وضعت سؤالا رئيسا.. هل يدفع سعيد بالتي هي أحسن أم يكتب فعلا عن حبّ عتيق؟

1 - تركيبة الشخصيات.. أبطال الرواية متنوعون وموزعون وفق انتمائهم للعراق أو مروقهم عنه، وهم شخوص يؤلفون مع الشخصيات الثانوية مجتمعا مصغرا لا يكون إلّا عراقيا، أي نواة لما تنبني عليه الاختلافية العمرية والمهنية والسلوكية والعقائدية، فالتعريف بشخصية محورية انطلاقا من مهنته والآخر سيعرف بعشقه (عبيّس، منذ عشق بنتا في السوق.. يحلم بأنه ينام معها.. لا يعرف قبر أمه ولا أبيه.. في النجف). أما نعيّم وقد استفرد بجزء مهم من الرواية والأحداث رغم انه سلبيّ سيّء الحضور (أولها انه متهم بالكفر لأنه اعتبر «نارو» آلهة، وثانيها انه الابن المدلل الذي يصر على الزواج من بدرية وإلّا لقتل نفسه.. وكان يلوّح بمسدسه.. (أما بدرية أو أموت) شاب هو أنموذج للذكر الفردي في المجتمعات التي تثمن الذكر وتشوه شخصيته بالتدليل. والتسمية في حدّ ذاتها تحدّد اشكالية الصلاح والطلاح، فالتصغير «فعيّل» للاحتقار. والرواية لا تتوانى عن ذكر شخصيات سياسية حاضرة أو غائبة توثيقا واضفاء للواقعية على الأحداث (الملك في ايران لإقناع الشاه بأن العراق دولة)، كما أن طغيان الذكورية في الرواية طغيانها في الواقع العشائري فهم يبتون في مسائلهم الداخلية وحتى الخارجية التي تهم الوطن كله (العشائر لها دور كبير في مقاومة احتلال العصملية او الانجليز) والمرأة حاضرة بقوة فهي المعشوقة الابية «بدرية» التي ترفض الزواج من نعيم.. و(عمته نجيّة أم حسن ومشاركتها في تلك الانتفاضة.. وهي التي قتلت الجندي الانجليزي) والأبطال متنوّعون تنوع المجتمع العراقي فـ (جاجو يهودي وجورج مسيحي) والآخر الذي تعشقه «رزيقة» صابئي، المؤلف وكي يقف على المسافة نفسها من الجميع عدّد أبطاله وصنّفهم اعتباطيا، تاركا للغة واشتقاقاتها تفرّق بينهم ولو بمعانٍ عكسية.. الأبطال يتحركون في الرواية بمتاريسهم واثقالهم الدينية والعقائدية والحياتية المادية، وان في هذا التصنيف بوح بأن العراق يتسع للجميع رغم تلك المشاحنات بين جاجو وعبيس، وبين جاجو والنساء في السوق. 

المرأة نفسها حضرت في صور مختلفة فهي الجدة والزوجة والأم والمناضلة التي تقتل من أجل الوطن، وهي الفتاة المترفّعة الذكية والتي تتفوّق على الرجل الرخو المدلّل ولا تقبل به زوجا. 

أبطال حب عتيق، ليسوا محبّين بقدر ما هم متكارهون، كل من موقعه، والكاتب وإن حاول أن يلزم الحياد، إلّا أنه راوٍ عليم بباطن الشخصيات وما يضمرون حتى في لحظات الصمت، وإن حاول التجرّد من تحريك أبطاله كدمى عن بعد، فقد سعى الى وضع ختم الموضوعية الواقعية على الأحداث من خلال الحوار الذي ورد أغلبه بالعامية العراقية والتي أبدى فيها رأيا بشأن الاختلاف في النطق بين بغداد واهل الجنوب... 

غربال سعيد لم يفرز ولم يبت في الطوائف وفي الأديان التي تعاقبت ومازالت تتعايش في العراق رغم المجازر والنعرات القبلية العشائرية، فالصراع بين المسلمين المنقسمين الى سنة وشيعة، ويهود ينقم عليهم من يتعاطفون مع الفلسطينيين، ومسيحيين وصابئة وكنائس وقرع كنيسة ومؤذن أبتلي بشرب الخمرة (فكان المرابي والآخر شارب الخمر وذاك ناكح العاهرات) (انت تصلي وتصوم وعينك على نساء الجيران) 

نحن في حلبة لا حكم فيها، بل كل فئة ممثلة بشخصية أو أكثر لتبرز عيب الآخر. فالمسلم ينقد اليهودي واليهودي يكره المسيحي... لنصل الى ان يجعل المؤلف الملحد هو الأكثر موضوعية واستقامة لأنه لا يتعصب لفئة من دون أخرى. فهل هي تثمين للإلحاد ام مجرد نقل لبعض واقع فئة واحدة موجودة وإن كره الكارهون؟، والمرأة حاضرة بكل تصنيفاتها فنجدها امًّا حنونا لا تحسن التربية وجدّة متعاطفة ونساء (هن أول من يصلن السوق.. بائعات الزبد والقيمر واللّبن) وهي الحاضر بقوة رغم طغيان الذكورية المشوهة. (سوك مارو تشبه جدتها القوية التي وقفت في وجه العثمانيين يوم ارادوا سجن زوجها لعدم دفعه الجزية)، عدسة المؤلف لتصوير واقع المجتمع العراقي في العشائر بوصف اللباس والأعراف والعادات والتقاليد وأهمية هذه التشبثات في المحافظة على حد أدنى من السّلّم الاجتماعي العمودي الثابت. ثم حياة المدن بدءا من البيوت الى الأسواق ودور النهرين في الحركة الاقتصادية التجارية. 

2 - بناء الرواية وجدلية المتناقضات لكشف المستور وذكر مالم يقل: الكاتب ركز على الثنائيات التي يمكننا حصرها حسابيا ومعجميا في جدول بين أهمها:

الماضي- الحاضر/ الحياة-الموت/ العقل-الغباء/ الفرح-الحزن/ الشيوخ- الشباب/ الحرية-الاستعمار/ الدين-الالحاد/ المرأة-الرجل/ السلم-الحرب/ الجبن- الشجاعة. 

هذه الثنائيات التي انبنت عليها الرواية جعلتها جامعة شاملة وكأننا بالمؤلف أراد أن يقول كل شيء وبسرعة. إذ نجده يثري الشخصيات ويجعلها منطلقا لبث أفكار معينة أو معالجة ظاهرة ما، كالصدام بين الطوائف أو التمسّك بموقفٍ من مسألة ما، فالمؤلف حاضر على لسان أبطاله الموضوعيين والذين يسيل عليهم الستر والسكينة حتى الملحد منهم يتميّز بعلاقته المرنة مع الجميع. 

3 - تعدد الامكنة والقفزات الزمانية في الرواية وتعامد الطوائف الدينية والعقائدية: 

الأمكنة تبدأ من المفتوح الى المغلق، من الشارع والسوق الى الأحواش والبيوت وحتى الفراش والنهر، وهو بذلك يعطينا صورةً تقريبية لنمط عيش المجتمع العراقي، بل ويلج بالقارئ الى خصوصيات هذا المجتمع المتنوّع والذي تتواصل أجياله (سعد الذي يعد الحلقة الوسطى بين الجيل القديم والجيل الجديد لكن معرفتهم بالديانات قليلة. فالصابئة موحدون يعبدون 

الله ويرفعون غصن الزيتون في صلاتهم وهي وصايا النبي يحيى ويرتدون قطعة من قماش من حرير أبيض). 

الزمان يوثق الحروب وأواخر القرن التاسع عشر والعصملية والملوكية والصراع مع ايران التي لا تعترف بالعراق كدولة والاحتلال العثماني والانجليزي.. والمؤلف لم يغفل التأكيد على هذا التشرذم العقائدي وما يخلفه من نعرات تعصبية تضر المجتمع وتتقهقر به كأصفاد تشده وتمنعه من التقدّم ومسايرة الرقي فيقول: (ويناقش مع نفسه ما يريد الله من الاديان.. الحب وليس التعصب). حتى اليهودي الذي يرى أحد الأبطال أنه سبب في تهجير الفلسطينيين إلّا انه بانتمائه للعراق يخرج عن زمرة المحتل، لتظلّ هذه الصراعات مفتوحةً على مصراعيها، رغم الثوابت التي تتناص مع الدين الاسلامي (لكم دينكم ولي ديني). 

4 - السرد وتقنيات الحوار: رواية جامعة شاملة بلغة عربية فصحى تبلغ المعنى ولو أن بعض التراكيب قد يكون المؤلف قصد تغيير مكوناتها، كان يقدّم مفعولًا به على فاعل أو خبرًا على مبتدأ او يلجأ الى الاختزال للتكثيف وفتح المجال أمام القارئ كي يقرأ ما بين السطور، ويستوحي ما يؤثّث للفكرة المقترحة وفق زاد معرفي معين. 

والحوار الذي ورد أغلبه بالعامية وإن جذر الرواية في محيطها وجعل الأبطال أكثر تلقائية، ناطق لسانهم بما يسند لهم فعلا وكأنه إيهام بالحياد والوقوف على مسافة متقاربة من كل «المتحاورين» غير أن المؤلف لم يحسب حساب أن الرواية ستطبع في تونس واللهجة العامية العراقية مازالت لم تفك شفرتها كلها خلافا للدارجة المصرية أو اللبنانية او السورية التي لقنتها 

الأفلام والمسلسلات التلفازية خاصة للمشاهد العربي والتونسي وهو في عقر داره. 

رواية جامعة يخرج قارئها بزاد معرفي ثري وقد يراجع بعض قناعاته العقائدية والفكرية ويستفيد من تجارب بعضها واقع معيش وبعضها نسجه المؤلف من خيالٍ فسيحٍ خبيرٍ بوطنه حاضره وماضيه ظاهره وباطنه. 

هذا ما استهل به المؤلف روايته «تبرير» أي أنه أراد الّا ينقلب عليه النقّاد فيسلّطون عليه اقلامهم المشكّكة والمكذّبة، خاصة في الحقائق التاريخية. ومن أنذر فقد أعذر.

حب عتيق هي رواية وليست سيرة تاريخية.. كل ما فيها يتأرجح بين الحقيقة والخيال، بل بين الموجود فعلا والمنشود من مؤلّف يدفع بالتي هي أحسن، كي يتعايش المسلم والمسيحي واليهودي والصابئي والملحد، مادام بين النهرين يتّسع للجميع. وهي رواية أخذت من كلّ شيءٍ بطرف واستحقت الجائزة الثانية لمسابقة توفيق بكار في تونس.