ترتيب الفراغ

ثقافة وفن
  • 13-04-2021, 08:40
+A -A

ياسين النصير

المألوف هو أن نرتب الممتلئ حتى يمكننا رؤية أشيائه منتظمة كي تدخل في سياق نتعرف على ما فيه، ولكن ان نرتب الفراغ،  مسألة غاية في الغرابة، إلا إذا خضع الفراغ لرؤية فلسفية، أو إجرائية، عدا ذلك يملأ الفراع بضجيج الأصوات المتشابهة، إن ما نريد من الفراغ ان يكون ممتلئا بشيء هندسي، فني، عملي، هوالا يكون هذا الشيء ممتلئ ابالضوضاء، فقد نصنع من قطعة فارغة في الصحراء كثيبًا، ونضع حوله آثار خيول وأقدام بشر، عندئذ نقول عن الفراغ قد امتلأ. فالصحراء ورمالها ومواقدها قرطاس القوافل وحكاياتها، وبإمكان الكثيب أن يروي حياة الذين مروا به، عندئذ يكون الكثيب علامة سيميولوجية دالة على امتلاء فراغ الصحراء. وقد نضع سفينة شراعية من كرب النخيل ونضع عليها شراعا تمتد خيوط بين مقدمتها ومؤخرتها مالئة فضاء البحر ثم نضعها في ماء جارٍ، ونتمتم حولها بكلمات التعويذات طالبين عودة الملاحين والصيادين وحواة اللؤلؤ، فالعودة كالذهاب بالرغم من أن البيوت وما فيها واحدة، وقد فعل الشاعر سعدي يوسف ذلك، فملأ فراغ البحر بمكون ذي معنى، سفينة صيادين حملت نخبة من شباب البصرة وحين وقفت نساؤهم على الجرف كان النداء بالعودة يسبق الرحلة. 

فالفراع لايملأ إلا بالأفعال، وقد يلجأ الفيلسوف لملء فراع طالب باحث أو مريض نفسي أو صاحب موقف، بفكرة هي من صلب توجهاته، كأن يجعل الفيلسوف الطالب مشغولًا بسؤال الأبدية أو الوجود أو الفكرة أو المنهج، فيملأ فراع بحثه بما هو جاد،وقد يلجأ تلامذة فرويد ويونج وأدلر إلى البحث في اللاشعور عن مركز الأنا العليا واشتغالاتها فيملؤون فراغًا في افكارهم عن قضايا الأنا والآخر، عن الفرد والمجتمع. وقد يملأ ماركس فكر عامل بالثورة والتغيير حين يشعر العاملأن لا جدوى من التغيير مادامت الرأسمالية تتحكم بكل شيء، بما فيه مشاعره وحاجاته، وتدفئته ومأكله ونومه وممارسته للجنس، وقد يحكي حكاية لأطفاله في المساء، ففكرة النضال لن تكون عن الممتلئ بل عن الفراغ، ومن خلال تنمية إحساسه بالفراغ تبدأ حكايته الثورة بالاتساع، فالثورة تبدأ أولًا في فهم الفراغ الذي يحيط بحياتنا اليومية، لا توجد مطلقات ثابتة، كما لايوجد عالم لا يتحرك نحو فراغ ليشغله، وكل معرفة ترتبط بفعالية عملية الامتلاء.

على مستوى التأليف، نجد مهمة التفكير بالكيفية التي يملأ المبدع فيها الفراغ الذي يحيط به هي أن تكون مادته اللغوية مشحونة بالتغيير، سواء كانت حروفًا أبجدية أو لونًا للوحة أو مادة صخرية للنحت، اللغة تجسيد لصورة الشيء المتخيل في الفراغ الكوني، سيملأ المبدع الفراغ باللغة عندما يكتب رواية أو قصيدة، أو بالشكل التعبيري عندما ينحت تمثالًا أو يرسم لوحة، وبالنغمة عندما يؤلف موسيقى، عندئذ يمكن تمثل اللغة كسلعة أو السلعة لغة، إذ يمكننا القول "إن للعمل الاجتماعي الفني سمة الأنموذج بالنسبة الى صورة الحاجة التي فكر بها المؤلف، فالصورة تعطي كل شيء دلالة السلعة وتدخله في مجموعة أو سلسلة تتسم بما تتسم به العبارة المفيدة من دلالة".ولكن لن تصبح الصورة بديلًا للشيء، ما يملأ الفراغ ويرتبه هو العمل. شرط أن لايبيع العامل نفسه كي لايصبح سلعة.