رؤية الشيء من داخله

ثقافة وفن
  • 6-04-2021, 08:17
+A -A

ياسين النصيِّر

 

ما كسبه الفن من هيئات الأشكال الطبيعية والفطرية، هو المرونة، مرونة السطح، وامكانية تشكيله وفق المخيلة، تعتمد هذه المرونة على إلغاء الاستقامة لأي تشكيل، فالخطوط المستقيمة تشكل أشكالًا جامدة، حين تحصر الفضاء ضمن مساحة هندسية محددة، فالاستقامة مغايرة للطبيعة المنحنية، يعني المستقيم فعل قصدي للتشويه، لا يمكنه استيعابه اية ثقافة مغايرة، في حين تمكن مرونة السطوح الشيء من استيعاب شطحات المخيلة، الخطوط المنحنية، المتعرجة، المتقطعة طاقة حركية، وتبادل واختراق واحوال، هذه المرونة المتوفرة في الاشكال الطبيعية أعطت الفنان تصورًا شعريًا خياليًا عن التركيبات المكانية المبهمة لمخلوقات وتكوينات ارتبطت بالشرور أو الألعاب الغرائبية، أو المنح كالمطر، لعل أحد أشكال الأقنعة الشعرية هو هذه المرونة التي تختفي وراء المنحنيات في تغيير التمثلات. فالخط المنحني بامكانه أن يستوعب تصورات لاواقعية حتى الغرائبية والفنتازية، وبمثل ما كان الكلام يتشكل من الممارسة اللسانية الحرة، ثم جاءت الكتابة لتثبته، كذلك الأشكال الفنية تتشكل بأبجدية اعتباطية، ليأتي الفنان فيعيد تثبيتها في أشكال فنية لتصبح نصوصًا جمالية معبرة عن معنى. نجد رولان بارت يعمق هذه الفكرة البنائية لمرونة الخطوط في المنحوتات كما لو أن ميتافيزيقيا الطبيعة تفرض حضورها التكويني في تشكيلات وثقافة العصور اللاحقة، يقول بارت «الشائع أن النحت صراعٌ مع المادة، وليس مع التشخيص، كما هو في حالة فن الصباغة؛ إنَّه فن من فنون خلْق العالم، فن الاستخراج، وليس فنَّ تغطية، إنه فن اليد التي تَقبِض” S-Z . ص148. أي الفن الذي تنتجه الحركة. هنا نبتدئ ثانية مع بارت في اعطاء لمحة نقدية معاصرة، تشمل حتى تلك التشكيلات الطبيعية في الكهوف، وكأنما ثمة يد كونية تعبث بالأشكال الطبيعية فتقارب بين فنون الطبيعة التلقائية والفنون الحديثة. فالمادة هي ميدان الصراع، والنحت هو خلاصة مادية للاشكال المقذوفة إلى العالم حسب تعبير ديكارت، من دون وعي فيشكلها الفنان بوعي معاصر، بحيث يمكنها أن تعبّر عن قضايا وأفكار وأيديولوجيات، لذلك ليست مهمة النحات التشخيص، أو التمثيل، إنَّما مهمته أنْ يخلق تشكيلات فنية جمالية للعالم الطبيعي من دون أن يكون لها مثال ما. ففن النحت فن “استخراج”، وليس فن التغطية أو التقليد، وهنا يعود بنا بارت، إلى دارون وأنجلز وفعل اليد، هذا المجس الكوني الذي أعاد تكوين الأشياء صناعة وإحساسًا وقدرة على تأليف خطاب بصري فاعل.

ليس سطح النحت في الفنون المعاصرة حاجزًا يمنع الرؤية من التغلغل لباطن المنحوتة، إن تفاحة سيزان التي أكثر من رسمها لايمكنها أن تكون من دون شجرة التفاح، هذا يعني أنَّ باطن الشيء لايرى من الخارج، بل يُتصور، في علاقاته وجذوره، لهذا تقوم الفنون الصناعية خاصة الشعبية بدور المدخل لظاهرة باطن الأشياء، التي لا نراها، والتي يمكن إعادة رؤيتها عندما تكون ضمن جدلية المعرفة الكونية لتركيب الأشياء صناعيًا. إن خطوط الرسم بأشكالها تعد مدخلًا لرؤية داخل الشيء، إنها نوافذ وأبواب للأشياء المبهمة، وبتدرجات ألوانها وضوئها نتعرف على ما في باطن تفاحة سيزان، وأحذية فان كوخ، ولوحة الجورنيكا، مما يعني أن للخطوط دورًا في الانتقال من الاسكيج الخارجي، إلى باطن المنحوتات. فالرسم كما يقول برنارد مايرز: هو “عملية تحضير لأي نوع من أعمال التصميم في الفنون الجميلة “.