المقصديَّة التأويليَّة والشروط الثقافيَّة

السبت 17 تشرين أول 2020 - 08:18

المقصديَّة التأويليَّة والشروط الثقافيَّة
 
د. سمير الخليل

في المجموعة القصصية (كهل بغداد) الصادرة عن دار الشؤون الثقافية - بغداد 2014 للقاص «عبد علي اليوسفي» جملة من الفرضيات الأساسية لإنشاء أحلام قصيرة ومقننة تخص المثقفين وحدهم بعيداً عن أحلام الناس البسطاء المتعصبين إلى أبعد نقطة من ساحة الحدث الحياتي.
وعند «اليوسفي» تنطوي الأحلام على إشراك بطل الحلم في إصلاح عطبه، وهو بالتأكيد عطب ذاتي، سايكولوجي، يخصه وحده بوصفه مثقفاً نخبوياً محبطاً، إذ إن معظم أبطال القصص التي وصل عددها إلى العشرين قصة كتّاب أو شعراء أو فنانون .
وإصلاح العطب لا يتم إلا إذا شعر المرء بأفعاله، ولا يحدث هذا الشعور إلا إذا استدعى «البطل» خبرته ثم حللها ووضعها في مكانها الصحيح من القص، أي أن يفكر فيها بوصفها حكاية، لذلك رأينا كيف أن هذا الاهتمام بالذات والانهماك بموضعتها ضمن منطق الحلم، إن كان حلم يقظة أو حلم منام يؤدي إلى ارتكاس في العملية الإدراكية وتحويل القصة إلى مجرد تداعيات رجل مترف، معزول، يراقب ما يجري على أرض الواقع من فوق، من برجه المعلّق بين السماء والأرض.
بقي أن نرى كيف أن المراحل اللاحقة لعملية فحص الذات المعطوبة وهي تحاول أن تصحح «الأخطاء» الخاصة بالحلم نفسه، وبالقصة التي قولبت لتستوعب هذا الحلم: 
تركز الخطوة الأولى على إعادة الفحص للفرضية الموجودة ضمناً في الأسلوب اللغوي المسترسل وهو يعرض الحلم ويتعاطى معه:»غدت ذاكرتي مجموعة رسائل وأحلام. رسائل من وحي زياراتها الليلية، والأخرى مباغتات الخيال» (ص31).
أمّا الخطوة الثانية فمسؤوليتها تكمن في تصنيف نوع الحلم ومدى قربه أو بعده من أحلام الآخرين: «هي وحدها تمتاز بخاصية المكوث في الرأس، وتدلنا على الماضي، ويمكنك الاستدلال بها، أشعر بالتوهج وأنا أسير فيه، رأسي يمتلئ بالمهرجانات المتلاشية، أحاول اقتناص وميضها الخاطف لكن بلا جدوى، ثمة غيوم تحجب الشمس ورياح ندية على الأرصفة» (ص16).
الخطوة الثالثة تتشارك مع المؤلف الحقيقي (وهو نفسه السارد العليم في كل القصص وقد وصل التبئير عليه إلى درجة الصفر بتدخلاته السافرة) في كمية الأحلام التي يمكن أن ينجزها الفرد المفرد:
- «إن الأحلام لا حدود لها؟
- أترى أن الأحلام لا تتحقق؟
- أحلام كثيرة يمكن تحقيقها، لكن ثمة عائق» (ص52).
وإذا كانت منظورات المؤلف لا تتناول – على ما يبدو – فكرة الاستقلال الذاتي لكل قصة، فسبب ذلك أن رؤيته الحلمية – النصوصية تكاد تحصر جميع جهوده في الجانب الانفعالي للمعنى، ولا عجب أن تأتي حكاياته المتشابهة لتصحح هذا التحيز عن طريق تأكيدها أن المعنى هو في الحقيقة نتاج القصد الذي يفرزه الحلم الفوقي: حلم المترفين النزقين الذين يغضون الطرف أو يشيحون الوجه عن عالم «الواقع الفج» و«الحقيقة الملوثة بالعجز والفاقة» واللغة التي يتداولها «أراذل القوم» المهمشين حتى في هامشيتهم. إنَّ الأحلام الفوقية المترفعة في قصص (كهل بغداد) ضربت أمثلة شاحبة للسلوك النخبوي الذي يتمتع به بعض «المثقفين»، أي أنها غير معنية بالعالم الواقعي المعيش (علماً أنها كتبت ما بين عامي 2009 - 2010) بل هي معنية بكشف التزامات ومواقف أولئك الذين ينتجون هذه الأحلام في سياق ظروف لا تعنيهم، وبعبارة أخرى، إن المعنى، إذا انعدم الدافع السياقي له، أصبح انحرافاً فكرياً، إذ أن القصص والمنتجات الإبداعية لا شرعية لها، بل تأخذ هذه الشرعية من الذين يستخدمونها، وهؤلاء يدبون على أرض السياق الاجتماعي والثقافي الذي انتجهم وانتج خيالاتهم وأحلامهم في حياة 
أفضل. 
تتركز أحلام أبطال قصص (كهل بغداد) في العيش بعيداً، حيث النساء الفاتنات الأنيقات «الطويلات» وهن يرفلن بالمعاطف الجميلة وقماصل الجلد في مناخات شتائية ماطرة «أوربية» والأكل في مطاعم نظيفة صقيلة خالية من الزبائن، في شوارع مغسولة تعج بالعطور النقية باهضة الثمن، وتزدحم بالأشجار والزهور والفراشات الأنيقة الملوّنة والطيور والعصافير والموسيقى الأخاذة الشجية التي تحاصرك أينما حللت: «وبفعل نغمات الموسيقى التي أوصلتني إلى أوج نشوتي، ولجت إلى هذه القاعة، ولا أدري كم مضى عليّ من الوقت وأنا اجتاز القاعات الواحدة تلو الأخرى، الموسيقى فتئت تصدح بأنغامها تغذي تقدمي المتواصل»(ص20)، وتغافل تماماً عن الوطن المستباح الذي يعيش فيه، وطن محتل من لدن عشرات الدول الأقليمية والدولية، منهوب في وضح النهار، يفتقر أبناؤه لأبسط مقومات الحياة: فقر وبطالة وانعدام للخدمات الأساسية، وتوزيع غير عادل للثروات، وكيانات مسلحة شكلت دولاً داخل الدولة الواحدة، وقتل الإنسان صار فرضاً واجباً في نواميس الأصوليات الجامحة. إنَّ أرضنة القصص لا تأتي إلا من خلال السياق الذي جاءت منه، وهو ليس سوى السياق الخاص الذي تجد الشخصيات نفسها فيه، وليس هلوسات الأحلام «الأوروبية»، فما دمت حاضراً فيه، فكل ما يسمح به أن تراه يبدو لك أمراً واضحاً لا لبس فيه، ثم أن الإنحياز الطبقي في «وجهة النظر» ليس سوى شيء سطحي، فالمسألة لا تتعلق بوجهة نظر نتبناها أو نختارها أو نقف بعيداً عنها، ففكرة السياق ثابتة لا تتجزأ عن فكرة حدث القصة، ولأن القصة ليست معزولة عن السياق، فلأننا لسنا معزولين عن الظروف المحلية والشروط الثقافية التي تحاصرنا، ولا يقرأ الأدب أبداً إلا في ضوء غايات معينة لأن هناك دائماً مجموعة من المقصديات التأويلية التي تشجع على قراءة الأدب. والقصة التي تبدو أنها ليست بحاجة إلى قراءة إنما هي ناتجة من أحلام «أجنبية» لا فرضية واقعية تسندها، ولا توجد قصة واحدة تُفهم بمعزل عن قوة الحياة وهي قوة تتمتع بدفق هائل من الجاذبية الأرضية: دفق السعي لتحصيل الرزق والتمتع بحياة حرة كريمة سرقها «الأغيار» الذين تدفقوا من وراء الحدود في لحظة «عولمية» غادرة.