مدن الحروب والتغير الاجتماعي

الثلاثاء 29 أيلول 2020 - 08:18

مدن الحروب والتغير الاجتماعي
  الدكتور عباس هاشم صحن 
تعرف الحرب بأنها نزاع مسلحٌ بين دولتين أو أكثر من الكيانات غير المنسجمة، وتعمل على مقياس اللا انتظام بسبب الطاقة التدميريَّة المسلطة على المجتمع، وعلى منظومة المدينة وعناصرها التكوينية، فهي صورة من صور الانتقال المرحلي المعجل، وفعلها مبني على التأثير الفيزياوي والحسي لمكونات المدينة، فالمدينة تكتسب قيمتها بفعل أدائها الدلالي،
 وتؤثر الحرب في العناصر المكونة لهذه المكونات القيمية الدالة، ما يؤدي الى تغير وتحول في الصورة التي تتشكل منها تلك العناصر، فالمدينة تتكون من جانبين هما الشكل الظاهري البصري، والمحتوى الضمني الاجتماعي، وتعمل الحرب على التغيير في الصورة الحضرية للمدينة وطمس قيمها الاجتماعية، ما يؤدي الى اختلال في القدرة التعبيرية للشبكة الحضرية، وفرض نسقٍ جديدٍ من المعنى، ما يؤدي الى تبدل في العناصر الأصلية وظهور الصورة الهجينة، وبذلك تفقد المدينة هويتها التي شكلتها عبر الزمن.
وللحروب الحديثة أفعالها التي تجاوزت كثيراً أفعال الجيوش التقليديَّة، فنقلت أرض المعركة داخل أسوار المدن ومعتقدات مجتمعاتها، وأصبح الصراع يؤدي الى تغيير يؤثر في المنظومة الاجتماعية والحضرية للفرد والمجتمع.
أما التغير الاجتماعي فهو مسألة طبيعيَّة، وحقيقة اجتماعية عامة تشهدها جميع المجتمعات الإنسانية، إلا أنه يختلف من مجتمع الى آخر حسب الظرف الذي ينشأ فيه والهدف الذي يتجه إليه، ففي حالة العوز والفقر يظهر نوعٌ من التغير الاجتماعي، وفي حالة الغنى والرخاء يظهر نوعٌ آخر، وفي حالة الصراع والحرب يولد تغير جديد، وجميع أنواعه تؤثر في المنظومة القيميَّة للمجتمع بشكلٍ متفاوت حسب مدة وقوة فعل التغيير، فالتغير الاجتماعي الذي يولد جراء الحروب يعزز من قيم العنف وعدم الاستقرار ويجعلها مألوفة في حياة الفرد في تلك المجتمعات.
ونالت الحروب الكثير من مدننا العراقية، وأثر ذلك في بنيتها المادية والقيمية من خلال تأثيرها بالمشهد الحضري والهوية الاجتماعية، وعملت على فرض أنواع جديدة من التحولات في البنى والعناصر المكونة لها، ولنا في القول وقفة مع مدينة الموصل التي تضررت كثيراً جراء الحروب، وأثر ذلك في الصورة الحضرية وفي بنية المدينة العمرانية والاجتماعية، وتأثر المشهد الحضري لأحيائها، واستهدفت الحروب أماكنها التراثية ومعالمها الحضارية ورموزها الثقافية، ناهيك عن استهداف الإنسان الموصلي في ضرب انتمائه وهويته الاجتماعيَّة.
ولغرض بناء مدننا التي دمرتها الحروب نوصي بالآتي:
• لا يرتبط مفهوم إعادة الإعمار بالبناء وحسب، فأضرار الحرب ليست ظاهرية فقط، فهناك عوامل آخرى يجب أخذها بعين الاعتبار عند التخطيط لإعادة الإعمار، كالجوانب الاجتماعية والاقتصادية والبيئية والإنسانية.
• اختيار الحكومة كمؤسسة تتولى إعادة الإعمار بالتعاون مع المؤسسات الأكاديمية ذات الاختصاص.
• توفير نماذج تصميميَّة تراعي احتياجات الأسر المتضررة.
• توجيه عمليات إعادة الإعمار نحو الاستدامة الحضريَّة.
• العمل على أرشفة الواقع وخاصةً مع المدن التاريخية المتضررة بسبب الحروب.
• توعية المواطنين ليكونوا قادرين على مواجهة كوارث الحروب والتصرف بمسؤولية وحرص.
• تدريب المجتمع للقيام بدورٍ فاعلٍ في مواجهة كوارث الحروب من خلال التضامن والتكاتف الاجتماعي، والابتعاد عن النزاعات الطائفية والطبقية والقبلية.
• تخصيص مبالغ من الميزانية السنوية لإعادة إعمار المدن المتضررة.
* مركز التخطيط الحضري والاقليمي للدراسات العليا