رؤوس الفساد

الأحد 20 أيلول 2020 - 08:21

 رؤوس الفساد

علاء هادي الحطاب



مكافحة الفساد باتت علماً له دراسات وستراتيجيات وفنون وآليات وقواعد يمكن من خلالها الحفاظ على المال العام ومعالجة التجاوزات الادارية والمحسوبية والمنسوبية في الاداء الاداري العام، وللفساد صور واشكال متعددة حتى باتت عملية مكافحته شاقة ومعقدة، سيما اذا تحول من الفرد الى “المافيا”، واصبح نظاما متكامل الاطراف، لكن هذا لا يمنع وجود تجارب عالمية مهمة في معالجة الفساد واثاره، ومنها عمليات مكافحة الفساد في كوريا الجنوبية وسنغافورة وماليزيا وجورجيا وغيرها، ولكل تجربة ستراتيجياتها وادواتها، فلا يمكن وضع وصفة سحرية ثابتة وواحدة في عمليات مكافحة الفساد لجميع البلدان التي تعاني من تفشي ظاهرة الفساد، فلكل تجربة ظروفها الموضوعية المتصلة بطبيعة القوانين والاعراف والتقاليد والتنشئة الاجتماعية الخاصة بها، فيمكن لآليات ومعالجات ان تنجح في بلد ما ان تفشل في اخر لاختلاف الظروف الموضوعية لكل بلد، لذا فان عملية مكافحة الفساد باتت علما يُدرس في مراحل متقدمة من الدراسات العليا.
ولعل تجربة جورجيا في مكافحة الفساد احدى التجارب المهمة، اذ انها اعتمدت على عشرة مبادئ في قطاعات مختلفة استطاعت من خلالها نقل جورجيا من بلد يضرب الفساد جميع مفاصله عام 2003 الى بلد متقدم في مقاييس الشفافية الدولية ومكافحة الفساد عام 2011، وكانت ثماني سنوات كافية وكفيلة بالحد من عمليات الفساد وحدوث قفزة كبيرة في مؤشرات التنمية في جورجيا. 
اعتمدت هذه التجربة في احد مبادئها على اعتقال ما اسمتهم بـ( مصاصي الدماء) اي رؤوس الفساد الكبيرة من تجار كبار وسياسيين ونواب ووزراء وشخصيات نافذة في جورجيا، وبدأت حملات الاعتقال بعد ان اصدر القضاء اوامر اعتقال بحق المتورطين بالفساد، ورافقت عمليات الاعتقال وسائل الاعلام التي كانت توثق ما يحصل وتنشر اسماء وصور المعتقلين المتهمين بالفساد في وسائل الاعلام لغلق الطريق امام الضغوط والتدخلات السياسية الداخلية والخارجية لمنع محاكمة متهم بالفساد هنا وهناك- نعم العملية فيها تجاوز لحقوق الانسان - باعتبار ان المتهم بريء حتى تثبت ادانته- لكن التجربة عللت ذلك بانها ستعيد الاعتبار لمن تثبت برائته في وسائل الاعلام. 
النتيجة كانت قضاء عادل وصارم لا يجامل سياسيا او تاجرا او وجيها او نافذا، وحتى “ حكومة” ربما تحاول تصفية خصومها بذريعة مكافحة الفساد، وكذلك حكومة قوية ذات ارادة حقيقية لا تخشى اي فاسد كبيرا كان ام صغيرا وتعاملت وفق القانون والمصلحة العامة الى حد كبير. 
رافق ذلك ترحيب ورضا وقبول مجتمعي بهذا الاداء والدور في مكافحة الفساد الذي شمل بشكل متواز وافقي مجموعة من القطاعات والملفات التي كان الفساد يعبث بها.
ما نحتاجه اليوم وضع ستراتيجيات لتجربة عراقية كاملة ومتكاملة في مكافحة الفساد وعدم ربط نجاح تنفيذها بالافراد، بل ترتبط بالستراتيجية المؤسسية التي وضعت من اجلها كمؤسسة ونظام معالجة ازمات بعيدا عمن ينفذ ذلك، بل ويحكم النظام المؤسسي للتجربة حتى الافراد الذين يديرونها، يرافق ذلك تسويق اعلامي ممنهج ودقيق ومدروس، لان خطأ التسويق هنا يعود سلبا على نجاح التنفيذ، ما يقلل ثقة المجتمع بحسن اداء التجربة ومن ثم يفقدها القبول والتعاطف والتأييد الاجتماعي لها، سيما مع وجود دراسات رائدة في هذا المجال وشخصيات اكاديمية يمكن لها ان تنظر وتصوغ تلك التجربة وادوات تنفيذها.