متحفُ الناصرية معلمٌ تاريخيٌّ ينفضُ غبارَ الزمن ليجسد حضارة الرافدين

الاثنين 27 تموز 2020 - 11:41

متحفُ الناصرية معلمٌ تاريخيٌّ ينفضُ غبارَ الزمن ليجسد حضارة الرافدين

ذي قار- واع- علي جاسم السواد- نصار الحاج

حينما كنت قد قضيت يوماً رائعاً في مدينة الناصرية العريقة متجولاً فيه بأحيائها القديمة ، تارة في شارع الحبوبي وتارة أخرى على ضفاف الفرات الخالد، اندهشت من روعة تمسكها بأصالة الجنوب النقية ،وساقتني الصدفة الى بناية شاخصة تحمل في مظهرها الخارجي عبق حضارة لا تزال تتشبث بهويتها التي لم يمحها الزمن، في واجهة البناية لافتة خُطَّت عليها عبارة "متحف الناصرية"، لم استطع المضي في طريقي من دون أن أمتع نظري وأشبع فضولي بالاطلاع على ما يحتويه هذا المعلم من كنوز أثرية تحاكي حضارة بعمر التاريخ ،شيدها أبناء هذه الأرض قبل آلاف السنين.
ما أن وطأت قدماي بوابة المتحف ،حتى سرحت بي المخيلة الى ذلك الماضي العظيم الذي تسرب لأعماق الحضارة السومرية ،وكأني أشاهد النبي ابراهيم (عليه السلام) يتعبد، واستحضرت مخيلتي أيضاً ملوك (لجش وأوروك وأور)، في ممرات المتحف لا تزال رائحة الشخصيات التي زارت المتحف تملأ المكان، لحظة اقتنصتها في زحمة التاريخ لأدون في أسطر مشاهداتي لهذا الصرح الذي يبوح بما فيه من تحف وقطع أثرية نفيسة عن عظم وادي الرافدين وإسهامات هذه الحضارة في ذاكرة الأزمنة.
مدير المتحف عامر عبد الرزاق لم يبخل على وكالة الأنباء العراقية (واع) بوقته ورافقني في جولة بين أروقة المتحف ليكون مرشداً لي خلال هذه اللحظة المهمة ،وأنا أطلع على تاريخ الأجداد الذي يمثل فخراً لكل عراقي عاش ولا يزال يعيش في هذا الوطن.

بوصلة الحضارة

انتهت الجولة، لم أكن قادراً على الحركة، روعة المكان تشدني بقوة ،وتمسك بأطراف ظلي ،وكأن صوت مظفر النواب يصدح ،وشجن داخل حسن يعزف طرباً جنوبياً معتقاً بماء الغراف، وبدأت حواري مع مدير المتحف الذي قال: إن " متحف الناصرية يعد ثاني أكبر متحف في العراق بعد المتحف الوطني، تأسس المتحف العام 1969 بعد أن شيدته شركة كولبنكيان البرتغالية النفطية ،ويتألف من طابقين بواقع 14 قاعة ،وكل طابق من 7 قاعات".
وأضاف أن"القاعات مقسمة حسب الحضارات الأثرية،
القاعة الاولى تضم الشواهد التاريخية لعصور ماقبل التاريخ، أما القاعة الثانية فتضم القطع الأثرية للحضارة السومرية الأولى، وتضم القاعة الثالثة التحف التي تعود للحضارة السومرية الثانية"، لافتاً الى أن "القاعة الرابعة تضم  الآثار التي تعود للحقبة البابلية، في حين تضم القاعة الخامسة القطع الأثرية الآشورية، فيما تضم القاعة السادسة التحف الحضرية، والقاعة السابعة تحتوي القطع الأثرية التي تعود للحقبة الإسلامية".
وتابع عبد الرزاق: " عندما تسلمت ادارة المتحف قبل عام ،عملت بشكل دؤوب على تحويل هذا المعلم من مكان جامد بلا حركة وتفاعل الى مكان يعج بالحياة والسواح والنشاطات"، مضيفاً أن " أول عمل قمت به هو إنشاء ورشة خاصة للمتحف لصنع النسخ المصغرة لزقورة أور توزع بالمجان لزوار المتحف ،وتم توزيع أكثر من ألف قطعة ومنها وزعت للبعثات والوفود الأجانب".
وأشار الى أن"البعثات الأجنبية التي زارت المتحف مثلت 18 دولة أجنبية"، مؤكداً أنه " تم تطوير الورشة وهي تصنع الثور المجنح وبوابة عشتار وأسد بابل والقيثارة السومرية وسيدة الحضر، ،وكذلك تم إنشاء مكتبة الكترونية ضمت 25 ألف كتاب
وبحوث خاصة بحضارة وادي الرافدين ،وهي تعد المكتبة الاولى من نوعها في العراق" .
 
 

آثار نادرة

وذكر عبد الرزاق أن " المتحف يضم قطعاً أثرية نادرة ومهمة ،منها الهيكل العظمي للصياد ويعود عمره الى ستة آلاف سنة قبل الميلاد ،وكذلك تمثال الملك أورنمو من البرونز، ويضم المتحف أيضاً واحدة من أقدم العجلات في بلاد وادي الرافدين ،ومجموعة مهمة من الرقم الطينية المسمارية والاسطوانات المسمارية وتماثيل الامراء والقادة والكهنة التي تعود الى الحضارة السومرية، فضلاً عن وجود مجموعة نادرة ومهمة من الأختام الاسطوانية وتماثيل ملوك الحضر ومباخر وجرار ،إضافة الى قطع معدنية مختلفة".
ولفت الى أن "المتحف مكان مهم للنشاطات الاجتماعية والثقافية والمبادرات العامة حيث أقيم فيه معرض للفنون التشكيلية والنحتية والخط على مستوى العراق ،وأيضا أقيم فيه مهرجان وورشة عمل تابعة لليونيسيف لأطفال محافظة ذي قار"، مبيناً أن " المتحف قام ايضاً وبالتعاون مع الاديب سيد نعيم المسافر بإصدار كتيب بعنوان (أبجد عراقي) لتعليم الأطفال الأحرف من خلال ربطها بالرموز والصروح الأثرية ،وتم طباعة ألف نسخة ووزعت لطلاب المدارس بالمجان".
 

تطوير المتحف

وأوضح عبد الرزاق أن" إدارة المتحف تعمل بشكل مستمر على تطوير عمل المتحف من خلال عدد من الفعاليات، منها التعاون مع النحات أحمد حسن لنحت تمثالين عملاقين للملك أورنمو والملك كوديا بارتفاع 4 أمتار سينصبان قريباً في مدخل بوابة متحف الناصرية ،والعمل هذا بالمجان ولم يكلف الدولة ديناراً واحداً، إضافة الى قيام المتحف بتكريم الطلبة الاوائل في السادس الإعدادي من أبناء محافظة ذي قار ،وتم منحهم جوائز قيمة تم الحصول عليها من المتبرعين، كما أقام المتحف ورش تدريب للآثاريين عن عمل المتحف وطرق التصنيف الأثري المتحفي، الى جانب ذلك أسس المتحف "بيج" وموقعاً رسمياً عالمياً باسم (متحف الناصرية الحضاري)، مشيراً الى أن " المتحف تسلم خلال هذا العام مئات القطع الأثرية من المواطنين وشرطة الآثار ،وسيتم أرسالها للمتحف الوطني في بغداد"
وأكد أن "المتحف الآن في طور إعداد وإصدار دليل متحفي مصور للقطع الأثرية المعروضة بالمتحف مع شروحها قريباً".