مراد القادري يتحدث لواع عن التجربة الشعرية في المغرب

ثقافة وفن
  • 7-07-2020, 13:29
+A -A

حوار - فاضل محسن 

  الشاعر مراد القادري واحد من أبرز وجوه الشعر المغربي ،  قصائده تتمتع ببساطتها وسلاسة تراكيبها، وكثافة ملفوظها وتفاعلها واقعياً بالصورة وبلغتها الغنائية التي يسهل حفظها وترديدها ،لم تشغله الكتابة الشعرية من نشاطاته المتنوعة لانه اكثر من شاعر ، فهو رئيس بيت الشعر في المغرب وحاصل على شهادة الدكتوراه في الأدب المغربي الحديث، باحث في مجال السياسات والإدارة الثقافية واستاذ فيها ؛ رئيس مجلس أمناء مؤسسة المورد الثقافي في لبنان ، يزاوج بين الكتابة الشعرية والبحث النقدي؛
صدرت له الدواوين : حروف الكف، 1995؛ غزيل البنات، 2005؛ طير الله، 2007؛ طرامواي، 2015. وترجمت قصائده إلى اللغة الإنجليزية والاسبانية والإيطالية والروسية.
في هذا الحوار الذي خص به وكالتنا تقرأون اجابات لاسئلتنا عن الشعر والثقافة والمغرب وأشياء أخرى 
تتحملون منذ تموز من سنة 2017 مسؤولية بيت الشعر في المغرب، كيف ترى الساحة الشعرية المغاربية عموماً والمغربية على وجه الخصوص؟
- الساحة الشعرية المغاربية تعيشُ حالةً غير مختلفةٍ عما تعرفُه وتعيشُه السّاحة الشّعرية عربيا وعالميا. الشاعر، في هذه الجهة، يُنصت لدبيب قصيدته ويرى تموّجاتها في مرآة الشعر العالمي. إنه يكتب من ذات المِحبرة التي يكتبُ بها الشعر هنا والآن، دون وجلٍ، وبعيدًا عن أيّ مركب نقص أو ضعف. لذا ليس غريباً، أن يكون أول بيت عربي للشّعر، تأسّس في تونس سنة 1993 على يد الشاعر المرحوم محمد الصغير أولاد أحمد، ليتبعه المغرب لاحقا. وذلك يعني قُدرة الفاعل الشعري في منطقة المغرب العربي على استكناه الحاجيات اللازمة لتعزيز الشعر والمعرفة الشعرية في وسطه الثقافي، داخل بيئته المجتمعية وفي وسطه الحياتي.

⁃لكن البعض يقول إن المغرب حاضر في المشهد الثقافي العربي نقدياً، وليس شعرياً ؟

- هذه مقولةٌ غير صحيحة، ولعلّها استرجاعٌ لتلك الجملة " هذه بضاعتنا ردت إلينا" التي تحضرُ باستمرار عند الحديث عن درجة التأثير والتفاعل بين المشرق والمغرب العربي في مجال الإبداع و خاصة الشعري منه.
ذلك زمن ولّى وانتهى. وما نراه اليوم هو ندّية تؤكّد النبوغ المغربي، سواءٌ تعلق الأمر بالنثر أو الشعر أو الدراسات النقدية والفكرية، التي استطاعت جميعُها أن تغيّر من موازين النظر، وتعيدَ لهذه الجهة من العالم العربي مكانتها في الإبداع والدرس النقدي والفكري والجمالي، وهو ما يُخلخل ثنائية المركز والأطراف التي سادت لفترة من الزمن.
نعم، يعتزّ المغرب الثقافي بأسماء  نقدية وفكرية من مثل: محمد عابد الجابري، عبد الله العروي، عبد الفتاح كيليطو، وسعيد بنكراد، خالد بلقاسم... على أن المغرب يقدّم اليوم، كذلك، تجاربَ إبداعية جديرة بالانتباه، في الشّعر، أذكرُ محمد السرغيني، عبد الكريم الطبال، وفاء العمراني، محمد بنطلحة، محمد الأشعري، عبد الله زريقة، وساط مبارك، حسن نجمي، عبد الرحيم الخصار، ونبيل منصر.... أمّا في السرد، فاللائحة طويلة كذلك، في طليعتها: محمد برادة، عز الدين التازي، يوسف فاضل، أنيس الرافعي، عبد العزيز الراشدي، عائشة البصري، اسماعيل غزالي وسواهم.  ولعلّ فوز أسماء من الفريقين معًا بجوائز مُعتبرة وتتويجهم في أكثر من محفلٍ دليلٌ على ما ذهبتُ إليه.

في رأيكم هل ستصمد القصيدة في ظل هيمنة الصورة ووسائط التوصل الاجتماعي؟ وكيف تنظرون إلى الدور الذي يمكن أن يلعبه "بيت الشعر في المغرب" وعموم المؤسسات الثقافية والشعرية في سياق هذه التحولات الثقافية، التي تقلّل من الحاجة إلى الشعر ؟

- فعلا، لا نُنكر أنّ الزمن هو زمن الصورة. لكن، ألا يُمكن كفاعلين ثقافيين وشعريين أن نستثْمر هذه الحقيقة لخِدمة الشّعر وإعادة ربطه بقطاعات واسعة من فئات المجتمع من أطفال وشباب وعموم الناس، ممّن ابتعدت عن الشعر في ظل التغييرات التي مسّت منظومة التربية والتعليم وضربت في العمق احتضان مؤسسات التنشئة الاجتماعية للشعر وللأدب والقراءة عموما. الصورة ليست عدوًّا للشعر، بل يمكنها أن تكون له سندا جماليا وحاملا فنيّا يوصل فنّ العربية الأول لجمهور أوسع، خاصة أنّ الشعر مادتُه اللغة غير أنّ وسيلته هي الصورة. أمّا عن حضور الشعر في وسائط التواصل الاجتماعي، فهذا موضوع آخر، ذلك أنّ بعض هذه الوسائط، وخاصة الفضاء الأزرق اسْتباح أراضي الشّعر دون سَنَد معرفيّ وفكريّ وخياليّ. هكذا، صرنا نرى اسْتخفافًا بالكتابة الشعريّة، من علاماته وفْرة في الشّعراء ونُدرة في الشعر. فالكثير مِما يُكتب، بهذا الفضاء، باسم الشّعر لا علاقة له بالشعر.
أما الحاجة إلى الشعر، فهي حاجةٌ يومية وضرورة وجودية، تتقوّى اليوم أكثر من أي وقت مضى. فأمام الوضْع الكارثي الذي نعِيشُه، الذي يتمّ فيه تغْيِيبُ الإنسان وتسْيِيدُ قِيم الاسْتهلاك والإعْلاء من البشاعة والتّفاهة، يكونُ لزامًا على الشّعر ومُؤسّساته الحريصة على اسْتدامة السُؤال النّقدي والجمالي، أنْ تنهضَ بدورِها في تعْزيز شُعلة المقاومة: مُقاومة النّسيان من خِلال الفكر والشّعر، وأنْ تعْمل على التّخفيف من العُنف بمُختلِف تجلياته ومن التهافتُ على امْتلاك الحقيقة الدينيّة واستثمارها السياسيّ. على الشّعر ومُؤسساته الرّصينة، أكثر من أي وقتٍ سابق، تعْزيز التربية على الفنّ واسْتنهاض الخيال والجمال وترسِيخ منظُومة جديدة يحتلّ فيها السؤال الثقافي المكانة اللازمة في السّياسات العامّة وفي النقاش العموميّ. فكلّ اسْتثمار في الثقافة والفنّ من شأنه أن يرتقي بالإنسان كذاتٍ وكمعنى وكوجود. وعموما،  فإنّ بيت الشعر، وفي ظلّ التحولات التي يعيشها المغرب، والمنطقة العربية والعالم، يُدرك جسامة المسؤولية الشعريّة، وخُصُوصية العمل الذي يُمْكنُ أن يُسْهمَ في ترْسِيخ الحاجة إلى الشّعر وتعْميقِ الوعي بحَيَويّة هذه الحاجة التي لا تُقاسُ بالجماهيريّ وبالذيوع الإعلاميّ، بل بما يُؤمّنُ للشّعر نَسَبَهُ إلى الشّعر.

لنعُد، إذا سمحتم، إلى مساركم الشعري. فمن المعلوم أنكم أحد شعراء العامية في المغرب، أو ما يعرف ب "الزجل". هل تحملُ هذه التّسمية في المغرب نفس السمات والخصائص التي تعنيها في المشرق العربي؟  

 - يختلفُ معنى كلمة "زجل" في المغرب عنه في المشرق، حيث "الزّجل" هناك هو ذلك النّظْم البسِيــط والعفْوي الذي يجري بالبدِيهة على الألسُن، ويعْتمِدُ على الذاكرة. أما معنى كلمة "زجل" في المغرب، فعِلاوة على كونه ذلك الشّعر المكتوب بالعامية المحليّة، فإنّه، من ناحيةٍ أخرى، يُشيرُ إلى متنٍ شِعري له الكثير من الجدارة الشّعرية والإبداعية، والذي نجح، منذ استقلال المغرب إلى اليوم، في إثبات شِعرية الدّارجة المغربية وقدرتها على تقديم رؤية الفرد في علاقاته بذاته وبالعالم وبالوجود.      
والظاهر أنّ المغاربة اختاروا أن يُسمّوا شِعرهَم المكتُــوب باللّهجة المحليّة "الزّجل"، ولم يختاروا تسميةً من التّسميات الأخرى الرائجة غرب وشرق العالم العربي، من مثل "الشعر المحكي" أو "الشّعر العامّي" أو "الشعر الشفوي" لأنهم وجدُوا في هذه الكلمة (الزجل) مُتكئا ثقافيا وسَندًا شعريّا يَصِلُهم بحضارتهم العربية الإسلامية في الأندلس. إنها تسميةٌ قادِمة من الماضي، لكنها تحمِلُ في طيّاتها الكثيرَ من الوعْد بالمستقبل، إذا علِمنا أنّ أوّل ثورةٍ مسّت شِعْرنا العربي، كانت في الأندلس مع ميلاد الموشّح والزّجل وسِواهما من الأشْكال الشّعرية التي تحرّرت من قيُود البحْر الخليلي.
خاض الزّجل، في المغرب، معركةً طويلة من أجل إقرارِ شرعيتِه في امْتلاكِ شِعريتِه الخاصّة، تلك الشعرية التي تتحقّق بالإجابة على السؤال التالي: ما الذي يجعل من نصٍّ ما أثرا فنيّا وإبداعيا؟
معاركٌ اختلفت أدواتُها، من فريقٍ إلى آخر، لأجل إثبات قِيمة وشِعرية قصيدة الزجل في المغرب، خاصّة في اللحظة التي تنجحُ فيها هذه القصيدة في بِناءِ ممارسةٍ نصّية لها الغِواية وقلقُ السؤال، وفي إثباتِ هُويّتها ككتابةٍ شِعرية، وذلك بعيداً عن التراتُبيات اللّغوية والتصوّرات النّقدية حول هذه القصيدة، التي لم يتم النظرُ إليها كرافدٍ شعري ينبغي إدماجُه في بنية المتن الشعري المغربي القائم بطبيعته على التعدّد والتنوّع والاختلاف.

اخترتم على المستوى البحثي، أن تكون أطروحة الدكتوراه التي ترافعتم عنها سنة 2012 هي الأخرى عن شعر الزجل؟ كيف تقاطع البعد الإبداعي مع البحثي في ممارستكم الثقافية و الأكاديمية؟

- ارتأيت أن أخص هذا المتن الشعري المتأصل في الممارسة الشعرية المغربية بأطروحة دكتوراه عن تجربة الشاعر أحمد لمسيّح، وهو أحد العلامات الفارقة في هذه القصيدة. لقد أردت بهذا الاختيار، إعادة الاعتبار للقصيدة الزجلية من داخل الشّعر ذاته، وذلك عبر تحويلها إلى مادّة مُهيئة للأسئلة الأكاديمية، أيْ الأسئلة النظرية والمعرفية، التي تُضيءُ إشكالات الممارسة النصية الزجلية. وسببُ هذا القول أنّ القصيدة الزجلية المغربية الحديثة، رغم الانتباه الذي حظيت به في العقود الأخيرة، لم تتم استضافتها في محفل السؤال النظري والنقدي الأكاديمي وذلك على الرغم من الأسئلة المعرفية الكثيرة التي تصل هذه القصيدة بالكثير من القضايا اللغوية والثقافية والشعرية. وقد تعزّزت هذه الرغبة بحكم  صِلتي بقصيدة الزجل، ليس كمساهمٍ في إثراء متنها فحسب، بل وكمتتبع لما يعتملُ في دواخلها من أسئلة نظرية ونقدية؛ يتقاطعُ فيها الثقافي بالشعري.