جيوبوليتيك العراق

الأحد 21 حزيران 2020 - 13:24

جيوبوليتيك العراق
علاء هادي الحطاب 
الجيوبوليتيك  Geopolitics بشكل مبسط هو دراسة تطويع الجغرافيا في خدمة السياسة، فالجيوبوليتيك او الجيوسياسية في اوضح تعريفاته تلك التي عرفها رودولف كيلين والذي يعد ايضا اول من استخدم هذا المصطلح عام 1905 في كتابه " الدولة مظهر من مظاهر الحياة" اذ عرف الجيوبوليتيك بأنه " دراسة البيئة الطبيعية للدولة، وان اهم ما تُعنى به الدولة هو القوة، كما ان حياة الدول تعتمد على التربية والثقافة والاقتصاد والحكم وقوة السلطان" ويبين كيلين ان " الغرض الاسمى للعلم هو جعل الجغرافيا في خدمة الدولة"،لا سيما اذا نظرنا من زاوية تفسير الفيلسوف فريديريك راتزل المعروف بأنه - أب الجغرافيا السياسية - للدولة بانها كائن حي يستمد خصائصه من جغرافيته، وبما ان الكائن الحي ينمو ويكبر ويتوسع، كذلك الدولة تضطر للتوسع عندما تنمو وتكبر وتتسع، لذا من المفترض عقلا ان راسم السياسات العامة في الدولة، خصوصا في اطار صياغة قرار خارجي يضع في اعتباره اولا جيوبوليتيك دولته ومدى خدمته وامكانية استثمار جغرافيته في قراره السياسي، كي يأمن على الاقل من ردات الفعل المتوقعة ازاء قراره السياسي. 
العراق ومنذ مئات السنين واقع تحت تأثيرات وصراعات امم وحضارات ودول متقاطعة متعددة ليس ابتداءً بالصراع الفارسي - العثماني وليس انتهاءً اليوم بالصراع الايراني - الاميركي المتمظهر سعوديا، وما يزال العراق كدولة يدفع ثمن هذا الصراع المستمر سياسيا وامنيا واجتماعيا وثقافيا ودينيا، ولم يشهد استقرارا سياسيا داخليا قط سوى سنوات متقطعة هنا وهناك انشغل بها المتصارعون بما هو اهم لديهم. 
اليوم العراق جيوبوليتيكيا يمتلك موقعا متميزا في منطقة الشرق الاوسط فهو رابط ونقطة تواصل بين حضارات وامم ودول مختلفة تحتاج - حتما - الى التواصل بينها اقتصاديا ومنفعيا والعراق طريقها الاقصر لذلك، فالبضائع الصينية تصل عبر القناة الجافة - إن وجدت- الى تركيا ومنها الى اوروبا، ومن الموانئ السورية عبر البحر المتوسط، وكذلك من خلال ميناء العقبة في الاردن، وبالمقابل فأن الصناعة التركية سيكون العراق اقصر طرقها الى الخليج، كذلك الصناعة الايرانية لن تجد غير العراق طريقا افضل لها في سبيل الوصول الى سوريا ولبنان، واذ ما تم اكتمال طريق الحرير الجديد فأن العراق نقطة مهمة جدا في ذلك لا سيما اذا أُكمل ميناء الفاو، وكذلك العراق افضل الطرق " جويا" بالنسبة للطائرات ما بين الخليج وتركيا ومنه الى اوروبا. 
بإمكان العراق ايضا توظيف جيوبوليتكيته في اطار الصراع او التنافس بين جيرانه وبدلا من ان يكون هذا الصراع والتنافس وبالاً عليه بإمكانه الاستفادة منه فيما اذا نجح العراق باستثمار ذلك سياسيا، والمصلحة اساس العلاقات بين الدول. 
كل ما تقدم بحاجة اولا واخيرا الى استقرار سياسي داخلي لينطلق بتفعيل واستثمار موقعه الجغرافي في خدمة قضاياه الدولية، وبدون هذا الاستقرار الداخلي فلا يمكن لنا ان نرى مجموع مقومات قوة موقعنا الجغرافي واستثماره في علاقاتنا الخارجية ومنه حفظ سيادتنا ومنع الانتهاكات بين الحين
 والاخر .