المرايا شاغلة المفكرين ومالئة الأغاني

ثقافة وفن
  • 12-05-2020, 11:16
+A -A

بغداد- واع- رجاء الشجيري
لطالما أخذتنا الأساطير والتأويلات ومعرفة أخبار الأحبة والغائبين إلى المرآة، فهي انعكاس للجانب الآخر من إنسانيتنا واسقاطاتنا ومكنوناتنا، بل حتى صار كل منا انعكاس للآخر، انعكاس لمجتمع، انعكاس لحيوات ومواقف كثيرة نمر بها، وهي من تغنى بها العشاق والمبدعون، فهذه فيروز تأخذ القول منها بأغنيتها "قالتلي المراية"، ومن كان القمر فيها عند طلال مداح في "شفت القمر في المرايا"، ومن خاطبتها عذوبة نجاة الصغيرة بعد طول غياب الحبيب في " قوليلي يا مرايتي حبيبي مجاش لدلوقتي؟" ومن كتب عنها محمود درويش قائلا": "من تعتقد أنّك تعاقب إذا حطّمت المرآة
التي كنت أنظر فيها؟
لست أنا غير انعكاسك واللهب فوق
قلب يحترق"، ومن رأى ابن عربي فيها" ان العالم مرآة الحق، والحق مرآة العالم". 
المرايا في الأساطير
 النهر كان المرآة الأولى في الأساطير ونرجسية نرسيس الذي كان مولعاً بجماله وهو يراه في النهر كل يوم إلى أن تحول لزهرة النرجس، وما أن اخترعت المرآة وتعددت نشأتها وصولاً إلى صورتها النهائية حتى أولتها الشعوب ووظفتها حسب اعتقاداتها وما تريد منها وما تعني لها، فالرومان كانوا يعتقدون أن هناك تجدداً دوماً للروح فاذا لم تجدد تحبس في المرآة، فيما كانت شعوب تغطيها في حالة وفاة شخص ما لكي لا تحتجز روح الميت فيها!، فيما يذكر لنا القزويني في كتابه "آثار البلاد وأخبار العباد" ان في بابل القديمة توجد سبع مدن سحرية، المدينة الرابعة فيها مرآة سحرية من حديد، فاذا غاب أحدهم عن أهله وأرادوا معرفة أحواله أتوا بالمرآة ووضعوا اسمه أمامها!. وكذا في الصين فقد كانت لها أهمية كبيرة في النفوذ ومعرفة أحوال الناس، أما أوروبا القديمة فقد كانت تستخدم للزواج، فالفتاة اذا رأت انعكاس القمر في المرآة وهي تأكل تفاحة حمراء وتمشط شعرها، فانها سترى صورة زوجها ويوم الزفاف. 
ماذا تعني المرايا للكتاب والفنانين؟ 


الروائي جابر خليفة جابر

قد تستدرجنا البراءة الظاهرة على هذا السؤال الى إجابة بريئة مماثلة، خاصة إذا وقعنا تحت تأثير بيئتنا واكتفينا بالنظر الى هذه المرايا التي لا يخلو منها بيت أو مكان في عصرنا الراهن.
لكن كيف ستكون إجابتنا لو أننا عشنا زمناً لا مرايا فيه ؟
هنا السؤال الأعمق المتخفي بظل السؤال الأول : ماذا تعني لك المرايا؟
كما لو أنني أرى صورتي وشكلي منعكساً في عدة مرايا ، محدبة ومقعرة ومستوية ومنكسرة ومتداخلة ومصغرة ومكبرة الخ ، سأرى نفسي متعددا ومتنوعا ومختلفا عن الأصل بتعدد المرايا العاكسة واختلافاتها.
هذا للسطح وللمنظر الخارجي المباشر فماذا عني أنا كإنسان وماهية ؟
لاشك أن الآخر  على تعدده وتنوعه وبعده عني أو قربه سيجعلني أرى شكلي الداخلي متنوعا أيضاً أو لنقل اني ارى تنوعاتي من خلال الآخرين ، سواء انعكست صورتي ورأيتها عبر سلوكهم معي او تعابيرهم او كلماتهم أو مواقفهم ، الآخرون هنا هم مرايا أيضاً ننظر اليها لنرى أنفسنا كل يوم !
وهناك قراءاتنا، فنص الآخر مرآة أرى من خلالها ما يجذبني وما أنفر منه وما استلطفه أو أختلف معه، وكذا كتاباتي هي مرآة لدواخلي مهما تفننت بالتزوير فإنها ترسم شخصيتي وتضاريسي السايكولوجية وانتماءاتي الاجتماعية، حديث المرايا يطول وقد تستوعب كتابا كاملاً للاسترسال مع تأويلاتها. 

الرسامة إيفان حكمت
بدأت رحلة اكتشافنا للمرآة منذ طفولتنا.. تحديدا مع القصة العالمية (بياض الثلج)، ولحظات الحوار العميقة بين الساحرة الشريرة وبين مرآتها، (أيتها المرآة أخبريني من هي أجمل امرأة على وجه الأرض!).. من هنا بدأنا نعي ان المرآة هي انعكاس.. للحوار مع ذواتنا.. لتوجيه الأسئلة لأنفسنا وللحديث معها،
تخبرنا المرآة عن أنفسنا كثيرا، كيف نبدو؟ ان كانت تليق بنا ملابس معينة دون أخرى، هل هو جميل شعري الآن؟ المرآة تجيبنا بما نرغب، بكل صراحة، فالمرآة تحدد هويتنا، وفي اوقات أخرى نجلس أمامها للبوح والمصارحة، بعض الأحيان أيضا أريها احد لوحاتي حين انتهي من الرسم، وهي تخبرني ان كانت تعجبها أو إن كان ينقصها شيء، كما احب استخدام المرآة أيضا في المسرح، وعندما يجلس الممثل أمام المرآة ويسحر الجمهور بحواره،
المرآة بالنسبة لي عالمي الآخر.. والنسخة الحقيقية الأخرى مني..

الدكتور رسول محمد رسول/ فيلسوف ومفكر وروائي وناقد

في طفولتي أتذكّر المرآة عندما كانت أمي، رحمها الله، تمسك بها وتنظر إلى وجهها بغية الكشف عن ملامحها الجمالية. كان ذلك أول وعي للمرآة في حياتي, فبقي الأمر هكذا، ولكن وعندما انخرطت في العمل الوظيفي بمصرف الرافدين نهاية سبعينيات القرن العشرين، ازدادت مشاهدي للمرآة، فكل النساء لديهن مرآة في حقائبهن، وكلهن ينظرن لأكثر من مرّة في أثناء ساعات العمل الرسمية في المرآة لتبيُّن ملامحهن الجمالية أو نواقص ذلك، وكان الأمر طبيعياً، وبعض النساء يشعرن بالخجل عندما ينظرن في المرآة المصغرة أمام الرجال، وهذا جزء من ثقافة العيب في مجتمعاتنا!
لكني، وفي مجال عملي النقدي للأدب السردي، أتذكّر أنني كتبت عن مجموعة قصصية لكاتبة إماراتية هي عائشة الكعبي، وكان عنوان المجموعة هو (غرفة القياس)، وكانت الغرفة المتخيلة في المجموعة مخصّصة للنساء، وفي غرفة القياس تلك توجد مرايا لكي تنظر المرأة عبرها إلى جماليات شكلها وقياس الملابس التي تختارها، فدخلتُ، من جانبي، إلى ذلك العالم متأملاً العلامات السيميائية وما توحي به من علامات مرئية متخيّلة في النص السردي.
لكني وأنا أنظر في جدران مسكني اليوم الذي أعيش فيه اكتشفت مرايا عدة في زواياه، فحسدتُ نفسي بأنني كائن المرايا أو قل إنسان المرايا، والمرآة هي ذو سطح ناعم يعكس الشكل، أي شكل، لكنه الشكل البشري مفعم بالوعي والذاكرة والتمثيل وإعادة البناء، لذلك يعيد الإنسان ذاته في النظر إلى المرآة، ويعيد بناء ذاته من جديد، ولذلك أيضاً أنا اعتقد أن سطح المرآة الناعم هو سطح تفاعلي بالنسبة للإنسان، والمرأة لا تملّ من استخدام المرآة أبداً، كما أن المرأة هي الأكثر استخداماً للمرآة في الحياة عبر العصور، لا سيما في العصر الراهن وهو الموصوف بثقافة الموضة، وهناك من يتطرّف فيقول توجد عبادة للمرآة من جانب المرآة ذاتها وهذا وهم، ومن التناقض أننا في العراق، وفي ظل كُل الدمار الذي يجري على المدينة العراقية، نلاحظ غياباً مبرمجاً للمرآة في المدينة، سطوح المدينة ومنحنياتها، فكم نحتاج إلى إشاعة المرآة بوصفها ثقافة في حياتنا. 
الكاتب والمترجم حربي عبد الله
الحديث عن المرايا حديث ذو شجون. اعني حديثاً متشعباً يأخذنا في أول الأمر إلى الآخر الذي هو المرآة التي نرى بها ذاتنا أفكارنا افعالنا هواجسنا خوفنا فرحنا اغترابنا يأسنا والامل المزروع في دواخلنا...ثم يعود بنا إلى الذات التي ترسم وتفكر وتفعل وترى نفسها بشكل ما وبنوع ما من المرايا...فثمة مرايا مستوية ومرايا محدبة وأخرى مقعرة أو مشروخة أو تراكم فوقها غبار الانا المتضخمة. و ثمة وجوه اختفت في مرايا طواها النسيان والضياع والزمن...أو تلطت مختبئة في دوامة من المرايا المتقابلة التي لا تعكس سوى الفراغ المتكرر بلا نهاية....ثمة مرايا الشعراء أيضاً ....وهم الذين يكررون ما يقوله بعضهم... ويضنون أنهم لا يتكررون..كما الافذاذ وفلتات الزمان...ثمة أيضاً مرايا ( السيلفي) التي يحب البعض أن يرى ذاته فيها مرارا وتكرارا دون أن يرى فيها اي نوع من ال ( سيلفش  selfish ) ...أما المرايا الصادقة فهي تلك المرايا المستوية التي تكشف لنا عيوبنا ونواقصنا واخطاءنا..وهي عيون المخلصين من احبابنا وان كانت عاتبة أو لاءمة أو منبهة ...تلك المرايا التي لا تعرف الكذب ولا المبالغة حتى وهي تمارس الشدة...وهناك أيضا مرايا العيون تلك التي قال عنها المثل الدارج العين مغرفة الكلام...حتى وان كانت من أجل رفع الانخاب التي تفرض على من رفع الكأس أن ينظر بعين من يقابله.