قراءة في خطبة إقالة الحكومة

الاثنين 02 كانون أول 2019 - 19:36

قراءة في خطبة إقالة الحكومة
 د. صلاح عبد الرزاق 
 
منذ بدء التظاهرات في الأول من تشرين الأول 2019 تجنبت المرجعية في الخطب الماضية الاشارة إلى الحكومة أو رئاسة الوزراء، بل كانت تخاطب بشكل مباشر المتظاهرين والقوات الأمنية ومجلس النواب، وتعطي توجيهاتها لها. في حين تضمنت هذه الخطبة نقداً حاداً للحكومة التي يرأسها عبد المهدي عندما جاءت في عبارة (بالنظر للظروف العصيبة التي يمر بها البلد، وما بدا من عجز واضح في تعامل الجهات المعنية مع مستجدات الشهرين الاخيرين بما يحفظ الحقوق ويحقن الدماء
فإنّ مجلس النواب الذي انبثقت منه الحكومة الراهنة مدعو الى ان يعيد النظر في خياراته بهذا الشأن ويتصرف بما تمليه مصلحة العراق والمحافظة على دماء ابنائه، وتفادي انزلاقه الى دوامة العنف والفوضى والخراب). وهي العبارة التي أوردها عبد المهدي في رسالة الاستقالة.  
إنّ خطبة الاقالة تضمنت عدة محاور ومفاهيم وتوجيهات توضح ما تفكر به المرجعية في مسار الأحداث السابقة والقادمة، ويمكن ملاحظة ما يأتي:
1 - على الصعيد الدولي أن لا جهة دولية قادرة على ممارسة دور المرجعية في حكمتها وحزمها واحترامها بين العراقيين. فلا أمريكا ولا الاتحاد الأوربي ولا الأمم المتحدة تستطيع ممارسة هذا الدور رغم البون الشاسع في الامكانات والقدرات المالية والعسكرية. فالسيد السيستاني الذي اعتاد الجلوس على الأرض في غرفة في بيت مستأجر أثبت أنه أقوى إرادة وقراراً من كل هذه الأطراف في العراق. 
2 -  إن توجهات سماحته وإنذاراته للأطراف الخارجية تؤخذ على محمل الجد . فواشنطن تعلن أنها لن تتجاوز وصاياه . والأمم المتحدة ترسل ممثلتها في العراق للتشاور مع سماحته والاستماع إلى نصائحه فيما يتعلق بالمشهد العراقي وجميع شؤونه الداخلية والخارجية.  
3 - على الصعيد الداخلي أثبت السيستاني أنه الوحيد الذي يأمر فيطاع، وأنه أسقط اثنين من رؤساء الوزارات خلال خمسة أعوام. وأنه القائد الذي أدار أزمة التظاهرات بثقة عالية ورؤية واضحة وخطوات متتابعة. وهو السيد الذي يكن له الشعب العراقي بكل أطيافه كل الاحترام والتقدير. وأن جميع السياسيين والمسؤولين يعلنون طاعتهم له ، ولا أحد يجرؤ علناً على مخالفته. فهم وجدوا فيه أباً للعرب والكرد والتركمان والسنة والشيعة والمسيحيين والصابئة والايزديين والشبك بلا تمييز. وأنه يحمل همومهم ويدافع عن مصالحهم جميعاً. وقد أثبتت الأحداث أن سماحته وقف إلى قضاياهم وعبّر عن تعاطفه وتضامنه معهم في كل الظروف. 
4 - منذ سقوط النظام عام 2003 والسيد ملجأ الجميع، يتابعون توجيهاته وبياناته لترشدهم إلى الطريق الصحيح. ولم يخش السيستاني أحداً يوماً ما، ومضى برأيه وقناعته بعزيمة وإصرار. وأثبتت الأيام أن قراره كان سليماً، ولولاه لتدهورت الأمور، وزادت الأزمات تعقيداً. ولم تستطع جهة ما أن تدعي أن توجيهات المرجعية تأتي لدعم رأيها أو موقفها. إذ لم ينحز سماحته لأي طرف على حساب طرف آخر. 
5 -  يشعر الشعب العراقي بكل شرائحه بأن السيستاني يخاطبه ويؤيده ويحبه، وأنه يمثل ضميره ووجدانه. ولا اختلاف في ذلك بين السياسيين والأكاديميين والمثقفين والطلاب وذوي المهن والتجار والكسبة وأبناء العشائر. وتؤمن الغالبية بأن سماحته المؤثر السياسي الأول في العراق، وأنه لا بد من التعرف على رأيه أو موقفه من كل حدث كبير أو أزمة عظيمة وما أكثرها. ويرى بعضهم أنه لا بد أن يتدخل السيستاني في كل الأمور، خاصة في بعض المشاكل، حيث أن بإمكان سماحته قطع نزاع القوم بسطر واحد. وقد جربنا سماحته في أزمات كبيرة مثل الدستور، الانتخابات، تشكيل الحكومات، احتلال الموصل، أزمة كركوك، استفتاء الاقليم، التسوية السياسية، وأخيراً وليس آخرا تظاهرات تشرين الأول / أكتوبر 2019. 
6 -  بقي السيستاني يراهن على الشعب فقط ، وأنه مصدر السلطات، وهو الذي يتخذ القرار في الانتخابات واختيار ممثليه ثم الرئاسات والوزراء. وأن الشعب العراقي يستحق كل الخير والاحترام وتقديم الخدمات والعيش الكريم. 
وبقي السيستاني ينتقد أداء الحكومات والبرلمانات وامتيازات ورواتب المسؤولين، واهمال الفقراء والمحتاجين للتعليم والصحة والعمل والسكن. 
وطالما نادى بمحاربة الفساد والضرب بيد من حديد لكن المسؤولين لم يكونوا بمستوى دعم سماحته، وأضعف من الالتزام بتوجيهاته، فاضطر لمقاطعتهم منذ عام 2010 . 
7 - توجيهات سماحته للمتظاهرين فقد تضمنت: 
أ‌- الاهتمام البالغ بما حدث مؤخراً في الناصرية والنجف الأشرف من مصادمات (وإراقة الكثير من الدماء الغالية). 
ب‌-  التأكيد على (حرمة الممتلكات وتعريضها للحرق والتخريب)، وانتقاد من سماهم بــــ (المندسين) الذين يعتدون عليها وعلى أصحابها. وهي إشارة إلى ما حدث من حرق المحلات التجارية والمنازل السكنية والأبنية الحكومية والأهلية. 
ت‌-  الطلب من (المتظاهرين السلميين أن يميزوا صفوفهم عن غير السلميين، وأن يطردوا المخربين).
8 - خصصت الخطبة فقرة طويلة لنقد الوضع السياسي وأداء الحكومة مع تحميل البرلمان مسؤولية النهوض بالأوضاع. ففي معرض نقده لرئيس الوزراء عادل عبد المهدي استخدم السيستاني تلميحاً قوياً يفهمه بسرعة أي متابع للشأن العراقي، وكل من يعرف أسلوب سماحته. إذ قال (وبالنظر إلى الظروف العصيبة التي يمر بها البلد. وما بدا من عجز واضح في تعمل الجهات المعنية مع مستجدات الشهرين الأخيرين بما يحفظ الحقوق ويحقن الدماء). وهذا إشارة واضحة إلى الحكومة (الجهات المعنية) وفشلها التام (عجز واضح) في عدم (حفظ الحقوق وحقن الدماء)، وما حدث في التظاهرات (مستجدات) الشهرين الأخيرين (بدءاً من الأول من تشرين الأول 2019 وحتى 29 تشرين الثاني 2019). وهو ما أدركه عبد المهدي ليقدم استقالته بعد ساعات من الخطبة. 
9 - كلف السيستاني مجلس النواب بالامساك بمبادرة تنفيذ خارطة الطريق التي سبق وأن أعلنها في خطبة سابقة. 
إذ طلب من (مجلس النواب الذي انبثقت منه الحكومة الراهنة أن يعيد النظر في خياراته بهذا الشأن) و (يتصرف بما تمليه مصلحة العراق والمحافظة على دماء أبنائنا).