ارتفاع حالات الانتحار ينذرُ بالخطر

الأربعاء 17 نيسان 2019 - 08:55

ارتفاع حالات الانتحار ينذرُ بالخطر
لم ولن تكن (م.ن) الاولى التي حاولت الانتحار من احد الجسور لانهاء حياتها وهي في ربيع عمرها، بل سبقتها حالات اخرى وفي عدة محافظات، شباب ونساء قرروا التخلص من الحياة قبل أن يأذن رب العباد، الا ان (م.ن) لم يكتب لها ماارادت بل تمكن احدهم من انقاذها، وآخر اعترض على انتقال عائلته الى منزل آخر في منطقة اخرى ولم يتوانَ عن اطلاق رصاصة في رأسه ليبين رفضه القرار!.
ازدادت هذه الحالات في الآونة الاخيرة وبشكل لافت للنظر على الرغم من تحريم الدين لها، مااسباب نفاد الصبر واتخاذ اصعب قرار يتعلق بازهاق ارواحهم بأيديهم، للوقوف على ذلك كان لـ “الصباح” حديث مع
 المعنيين.
 
اليأس من الأحلام
الخبيرة في الشؤون الاجتماعية والنفسية والتربوية الدكتورة ناز بدرخان السندي عدت موضوع الانتحار خطيراً جداً واردفت:”تزايد هذه الحالات في الآونة الاخيرة يجعلنا نقف عند المشاكل الاساسية التي ادت لذلك، ومن ابرز المشاكل، يأس الشباب من جميع الظروف المحيطة بهم ما يجعلهم يصلون الى مرحلة فقدان السيطرة على انفسهم ووصولهم الى مرحلة من الكآبة السوداء ما يجعل الحياة واهميتها تنتهيان، فلا يكون لديهم فرق بين الحياة والموت، اذ يعتبر الموت هو الخلاص من ثقل واعباء ومشاكل الحياة”.
وتابعت:”استحالة تحقيق الاحلام والطموحات في ظل الظروف التي يمر بها البلد تولد لهم الاحباط الكبير، فهم ينتظرون تحقيق كل ذلك عبر سنوات عمرهم والانتقال الى حياة اجتماعية وثقافية واقتصادية افضل، لكن دون جدوى، اذ انهم كانوا بانتظار تحسين الاوضاع بشكل اسرع مما عليه الآن”.
وتضيف السندي:”هنالك مشاكل اقتصادية ترتبط بالمشاكل الاجتماعية، فنرى العوائل تضطر لتزويج بناتها بسن مبكرة الى رجال يكبرونهن بسنوات ومن ذوي الدخل الجيد للتخلص من اعبائهن، لتبقى تلك الزوجة مكسورة وتعاني من مشاكل نفسية، كونها لم تحقق حلمها باكمال دراستها او اختيار الشخص الذي تحبه لترتبط به، وهناك مشاكل تواجه الشباب في العمل والزواج لتكوين اسرهم وغيرها الكثير”.
وتسترسل السندي:”ان الموت اصبح لا يخيف الانسان في العراق، فعندما نسمع ان شخصاً قد توفى لا يستمر التأثر اكثر من 3 ايام، وهذا الامر ينسحب على من يقدم على الانتحار، فهو لا يخاف من الموت اصلاً ويعتبر ان حياته لا تساوي شيئاً، سواء استمر بالحياة او لا”.
 داعية الى ضرورة ايجاد حلول لهذه المشكلة التي بدأت تتفاقم يوماً بعد يوم، وتخشى بعد هذا ان يتأثر الاطفال بسماع تلك القصص او رؤيتها ويحاولون تقليدها في حال تعرضهم الى اي عقاب من قبل المدرسة او احد
 الابوين”.
 
قانون العقوبات
الخبير القانوني امير الدعمي يبين:” ان قانون العقوبات العراقي لم يحدد عقوبة للانتحار،على اعتبار ان الجريمة تنتهي بموت المنتحر، لكنه حدد عقوبة لمن يحرض على الانتحار بالسجن 7 سنوات، لتصل الى الاعدام في حال كان مشتركاً بتلك العملية، منبهاً الى ان هذا نقص في قانون العقوبات، كونه لم يحد من ظاهرة الانتحار بالنسبة لمن يحاول القيام بذلك، واقتصرت العقوبة على المحرض والشريك في هذه الجريمة”.
 
العوامل النفسيَّة سبباً
عضو مفوضية حقوق الانسان الدكتور فاضل الغراوي يؤكد:” ان الانتحار بات ظاهرة في العراق بسبب الكم الكبير من التداعيات التي يعيشها المجتمع العراقي، وان قسماً من هذه التداعيات ترتبط بالجانب الامني والازمات والحروب المتوالية والهشاشة الامنية في بعض الاماكن، ما دفع العديد من الاشخاص بالتفكير في الانتحار لعدم وجود الامن والاستقرار الذي يتعلق بالسكن والمأوى والجانب الاقتصادي، فضلاً عن عدم توفر فرص العمل والتأثيرات الاقتصادية الملحة على معيشة الاشخاص وعدم وجود مستقبل في اذهانهم يحقق لهم طموحاتهم، وبالتالي فان هؤلاء لديهم عوائل والكثير من الالتزامات ولا يستطيعون تغطيتها بسبب الوضع المتردي لديهم وحجم التحديات التي يعيشها المجتمع من 
حين لآخر”.
وتابع الغراوي:” ومن الاسباب الاخرى الجوانب الاجتماعية وما يتعلق بعدم قدرة العديد من الشباب على الزواج واعالة عوائلهم وعدم تكوينهم لاسر خاصة بهم ووجودهم في بيوت مساحاتها ضيقة، ناهيك عن العوامل النفسية التي قد تكون احد الحوافز التي تؤثر بقضية الانتحار، اذ عاش العراقيون صدمات نفسية، خاصة الشباب لم تعالج ولم تتعامل معها مؤسسات الدولة على انها احد المخاطر المهمة في المجتمع، مشيراً الى انه قد يكون اهم مؤشر جديد وعامل متطور هو الاستخدام السيئ للاتصالات واظهار العنف بأبشع صوره والخاصة في بعض الاحيان للتحريض على الانتحار ووجود هكذا صور بشعة يتلقفها الاحداث بين الحين والآخر، وتؤثر سلباً فالصور النمطية والعاب وافلام عنف وقتل  ظهر انها احد الاسباب المهمة التي تدفع للانتحار، وبالتالي اغلب الفئات التي اشرت لها هم فئة الاحداث والشباب، وعليه  يجب ان تقف  مؤسسات الدولة للتعامل مع هذه الظاهرة الخطرة على المجتمع العراقي”.
والمح الغراوي:”المفوضية كانت تعد تقارير رسمية وتوصيات ترسل الى مؤسسات الدولة التي تتضمن مؤشرات عن الاسباب والآثار التي تدفع للانتحار، اذ تبدي المفوضية قلقها الواضح لكل مؤسسات الدولة ويجب ان يكون هنالك تعاون مع هذه الظواهر ولا يجب اهمالها، مستدركاً  في التعامل مع ملف المخدرات والتسرب وعمالة الاطفال والعنف الاسري وظاهرة الانتحار مازلنا بعيدين من التعامل الايجابي مع هكذا ظواهر للحد منها والقيام باجراءات كفيلة بمعالجتها بشكل شامل، والتي تحتاج الى جهد متواصل من الدولة”.
 
احصائيات عن الانتحار
عضو مركز الحياة لمكافحة الانتحار علي الرسولي يقر:” ان هذه الظاهرة اخذت بالتزايد بعد عامي 2016 و 2017 وفقاً للاحصائيات التي وصلت الى المركز وبالتعاون مع المفوضية العليا لحقوق الانسان بعد ان كانت لا تتجاوز 1 بالمئة في عام 2003”.
ويوضح الرسولي:”اعداد من اقدموا على الانتحار كانت كبيرة بين صفوف الشباب اذ بلغ العدد 807 حالات، تصدرت تلك الحالات الاناث بـ607 حالات مقابل 200 حالة بين صفوف الشباب، مؤكداً ان المركز يعمل على رصد حالات الانتحار حتى الفاشلة منها، واعادة تأهيل اصحاب تلك المحاولات نفسياً واجتماعياً بالتعاون مع خبراء ومختصين في هذين المجالين، عن طريق عقد ندوات واجتماعات ومخاطبة الجهات ذات العلاقة للنظر بهذه
 الحالات”.
وتابع :”خلال الاسبوع الاول من تشكيل المركز الذي اسسته مجموعة من الناشطين في مجال حقوق الانسان،  تم رصد 8 حالات انتحار، بضمنها اقدام احد الصحفيين على ذلك في محافظة بابل والتي كانت مروعة جداً، ويعتبر تصعيداً خطيراً ويحث الكثيرين على القيام بمثل هذه الحالات بعد تصوير نفسه قبيل القاء نفسه من احد الجسور
 في المحافظة”.
وذكر الرسولي :”ابرز الاسباب التي تؤدي الى الانتحار بين صفوف الشباب هو تعاطي المخدرات في التصنيف الاول والعوز المادي ثانياً والحالة الاجتماعية والعنف الاسري والعشائري والقبلي في المرتبة الثالثة، مؤكداً صعوبة الوصول الى الحالات التي تحصل بسبب التصنيف الثالث لوجودها في قرى ومناطق نائية لايستطيع الوصول 
اليها كادر المركز”.
 
مصيرهم النار
وبدأ الشيخ عامر البياتي حديثه بقوله تعالى “ من قتل نفساً بغير نفسٍ  او فسادٍ في الارض فكأنما قتل الناس جميعاً”، فيقول:” الانتحار هو اعلى حالات اليأس والجبن في مواجهة المشاكل والحياة الصعبة، وان علينا ان نوجه الناس ابتداءً من المنبر الذي يرتقيه الائمة والخطباء، داعياً المجالس والمدارس ومراكز البحوث العلمية لتحليل المشاكل وصياغة السبل الانجع لحلها وتوفير فرص العمل لهم، مؤكداً ان من ينتحر فمصيره الى نار جهنم ولا يصلى عليه”.
وطالب البياتي:”الشباب بمواجهة مشاكلهم وحلها بما يرضي الله ويحفظ كرامة الانسان والمجتمع، مبيناً ان العلماء الربانيين عليهم مسؤولية كبيرة في العمل على انحسار هذه الظاهرة وارشاد الناس الى الطريق الصحيح، فقد مَنَ الله علينا بنعمة كبيرة وهي دين الاسلام وبعثة الحبيب المصطفى (ص)”.