تشكيل الدولة

الاثنين 09 آذار 2020 - 16:01

تشكيل الدولة

 

يعطل الصراع السياسي الذي يسبق تشكيل الحكومة الجديدة عمل الدولة كل اربع سنوات ويقصر عمل الحكومة المنصرفة على تصريف الامور اليومية ، في دولة تأخرت كثيرا ولاتحتاج الى المزيد من التعطيل  .

ان النظام السياسي الذي تجري فيه عملية تداول للسلطة بشكل دوري لابد ان يفكر ابناؤه في الدولة اكثر من الحكومة الموظفة في الدولة وان يتركز التفكير على تشكيل الدولة وترسيخ عمل مؤسساتها اكثر من التفكير والانشغال بتشكيل الحكومات التي تخلف بعضها دولة اعمق من الدولة وتبقي الدولة الأم مجرد دائرة رعاية اجتماعية ، فيما تجهد الاحزاب من اجل الوصول الى سدة الحكم وهو طموح مشروع لكنه مشروط بأن لاتتكرس الدولة لخدمة الحزب ولايقود الحزب الدولة دون علم واطلاع سكان الدولة ، وتجربة الحزب الأوحد الحاكم 

ماكان لها ان تستمر الا بقمع الحريات وإسكات الاصوات ومنع التعددية الحزبية في البلاد ولايمكن إلا ان يكون الانهيار  والسقوط المدوي محصلتها النهائية الطبيعية ، ولايمكن في ظل التعددية الحزبية الحالية ان يحكم أي حزب الدولة بمفرده لكنه قد يستطيع الاستئثار بالحكم بإستغلال عوامل ومبررات عديدة والى أجل محدود.


اثبتت الأحداث ان القوى السياسية لايجوز ان تكون اقوى من الدولة اوتعمل على إضعافها وإن تغييب الدولة يؤدي في نهاية المطاف الى إضعاف القوى السياسية وتهميشها وتلاشيها ، فالمخاض الدامي الذي مرت به الدولة العراقية في تجربة الحزب الواحد والاحزاب المتعددة اضعفت الدولة لأن الحزبية كانت فوق الدولة او ارادت ان تكون فوقها دون انتباه الى حقيقة التنوع العراقي الصعب والمتداخل جغرافيا واجتماعيا ودون اكتراث بالجيل الناشئ الجديد الذي ينظر الى الحاضر ولايلتفت الى الماضي  ، مع فارق في الحالتين بين تحكم حديدي فردي مطلق بالحكم وتحكم شكلي هش لايمتلك وحدة قرار  خرجت منه القوى السياسية بخسارة لرصيدها الشعبي بشكل متفاوت حسب درجة التصدي ، ولو ان الأحزاب كانت تتنافس في عرض وتحقيق خطط اقتصادية تنموية محددة بسقوف زمنية وخضوع الجميع لحكم القانون بما يعزز هيبة الدولة لأصبحت قيادة أي حزب من الأحزاب للدولة مطلبا شعبيا ، واذا خسرت من رصيدها الشعبي فذلك لأنها تنافست على ان تذوب الدولة فيها لا أن تذوب هي في الدولة ، وكانت نتيجة هذا التدافع ذوبان معظم الاحزاب في العوائل والاشخاص وبقاء إلذكريات والصور للتاريخ والارشيف  .


ان دولة كالعراق لها سيرة ذاتية تمتد جذورها الى ماقبل تأسيس الدولة عام ١٩٢١ بمئات والاف السنين وتستند الى تاريخ حضاري طويل ومن الظلم ان لاتترسخ فيها الكثير من التقاليد بحيث تكون الدولة هي الثابت وماسواها هو المتغير الذي لايتأثر بالتحولات السياسية ، لكن واقع الحال يشير الى تقطع هذه السلسلة الطويلة بحيث ان مطبوعات العراق وصحفه ومجلاته جميعا من مواليد ٢٠٠٣ وهو عمر العملية السياسية وشيء من تاريخ ، على سبيل المثال لا الحصر ، ولذلك لابد من تفكير جدي في ان لاتتأثر حركة الدولة بالتجميد الدوري للحكومات وان تسير الدولة بحركة اسرع بكثير مماهي عليه بسبب الانطلاق من درجة الصفر في بدايات كل دورة حكومية والعودة في كل مرة لقصة البنى التحتية وكأن الدولة ولدت اليوم على يد دولة رئيس الحكومة الجديد   . 

  

عبدالهادي مهودر


اخبار العراق