أهملنا مجتمعنا

الاثنين 10 شباط 2020 - 11:35

أهملنا مجتمعنا
علاء هادي الحطاب 
كل المجتمعات المتقدمة والمتطورة في العالم ،لا تذهب باتجاه معالجة مشكلاتها بشكل ترقيعي وقتي ،وإن كانت بعض هذه المعالجات تحل مشكلة وقتية هنا أو هناك، بل تذهب هذه المجتمعات الى جذور المشكلة لتعالجها ،وإن أخذت وقتاً وجهداً على المستوى القريب، لذلك تراها تسير في مجتمعاتها نحو التقدم المستمر على الصعد كافة سواء الاجتماعية ومعالجة جذور مشكلاتها ووضعها في إطار" قانوني"أو غيره ،بما يكفل التزام الجميع بهذا الإطار، أو الاقتصادية أو السياسية أو حتى الثقافية، نتيجة تطور المفاهيم والثقافات وتبدلها تبعاً لتطور وسائل الحياة المتسارعة وتداخلها مع بعضها، لكنهم وضعوا نظاماً عاماً لمعالجة ما يطرأ على مجتمعاتهم بشكل مستمر، لذا نرى الاستقرار الداخلي بحده الأدنى على الأقل الذي يكفل عيش المواطن بكرامة وإن كان دخله الشهري بسيطاً أو حالته الاقتصادية ضعيفة. 
وهنا يعرف عالم الاجتماع الشهير (إميل دوركايم) التنشئة الاجتماعية بأنها"عملية استبدال الجانب البيولوجي بأبعادٍ اجتماعية وثقافية، تصبح هي الموجهات الأساسية لسلوك الفرد داخل مجتمعه"وهنا ذهب (دوركايم) لمعالجة جذور ما يطرأ على المجتمع من مشكلات وأزمات بشكل ممنهج.
في مجتمعنا -مع الأسف- أهملنا هذا الجانب بشكل كبير، وبتنا نتعامل مع أولادنا وشبابنا وأسرنا بشكل عام بردود الأفعال ،لا المبادرة الممنهجة وفق نظام يكفل تنشئة هذا الجيل بطريقة يمكنها أن تسهم في إيجاد الحلول بشكل مستمر من دون انسدادات مجتمعية من شأنها أن تنعكس على الواقع الاقتصادي والسياسي والثقافي والتربوي، وتؤدي بالنتيجة إلى عدم الاستقرار المجتمعي الداخلي بشكل مستمر ؛ الأمر الذي يولد باستمرار وجود المشكلات والصراعات وعدم الاستقرار بدءاً من الأسرة وصولاً للمجتمع. 
نعم ،لدينا نخب علمية وثقافية وفكرية، لكن لم تصل لمرحلة انضاج نظام اجتماعي يكفل التنشئة الاجتماعية الصحيحة تارةً بسبب ابتعادها عن الواقع نتيجة ترفعها وأخرى بسبب إبعادها قسراً من أصحاب القرار التربوي والسياسي والعلمي وغيره. 
ما لم تنهض النخبة ( معلمين ومدرسين وأساتذة جامعات والمثقفين بمختلف توصيفاتهم الثقافية ) بأدوارها مجتمعياً، ما ينعكس ايجاباً على الطفل في المدرسة، والمراهق في الثانوية، والشاب في الجامعة، ومنهم الى أقرانهم الذين لم تتوفر لهم فرصة التعليم؛ لن نستطيع معالجة هذه الانسدادات المجتمعية، إذ نلاحظ اليوم في واقعنا أن أي خلاف بسيط بين أي مختلفين يتحول إلى تخوين وعداء مستحكم، الأمر الذي يؤدي بمجمله الى صراعات، ومن ثم عدم الاستقرار السياسي.