الواقع لا يستحي

الأربعاء 29 كانون ثاني 2020 - 12:38

الواقع لا يستحي
بغداد - الصباح
عندما تقرأ نصًا روائيًا أو شعريًا، يتحدث عن واقع ما، وتجده أدنى تعبيرًا من الواقع نفسه، تجد أن النص لا يستحق القراءة،  وعندما تقرأ نصًا يتحدث كاتبه عن حادثة واقعية أو متخيلة، وتجده غني الدلالة مشبّعا بالجمال الفني، تعيد نظرتك بالواقع بما يجعله مخلوقًا عبر الفن من جديد، وكلتا الحالتين موجودة في أدبنا العراقي،
 خاصة وأن الواقع الذي عشناه، وخبرنا تفاصيله، وعرفناه عبر أحداثة الخاصة والعامة، أنه أكثر استيعابًا لما جرى فيه خلال السنوات الخمسين الماضية، من أية كتابة عنه، وأنا لا أجزم بتعميم التعبير على كل النتاج الثقافي، شعرًا وقصة ورواية وفنًا تشكيليًا، إنما ما قرأناه لم يصل إلى مستوى الآداب العالمية التي عبرت على وقائع مماثل لما حدث عندنا، والأمثلة كثيرة من همنغواي إلى ماركيز، وعمقًا في أدب تولستوي وبلزاك وغيرهم.
ومع ذلك نجد الظاهرة الواقعية في أدبنا العراقي من الغنى ما تمكن كاتبنا أن يغور في تفاصيلها الأخرى التي لا تظهر للعيان كي يكتشف جزءًا من واقعيتها التي لم تظهر على السطح، ولكننا لا نتعامل مع الواقع المعني، بل نتعامل أدبيا مع الواقع المفترض، أو الواقع الذاتي، ولذلك يكون القصور واضحًا إذ مهما كان تصورنا الذاتي أو المفترض عن الواقع لايصل إلى حقيقته الكلية. 
والأمثلة كثيرة أيضًا ابتداء من روايات غائب طعمة فرمان وفؤاد التكرلي وعبد الخالق الركابي التي تعاملت مع كلية الواقع عبر حيثياته الميدانية لا عبر افتراضاتهم عنه، ونجد عشرات الروائيين الذين اغنوا تصورنا عن واقع ملتبس تحمّل ملايين القنابل والتفجيرات، وتغيرت مرات عديدة خارطة أمكنته الديموغرافية، والتبست لهجاته بما يجعله واقعًا مفترضًا وواقعًا غائمًا وواقعًا حلمًا، إلا أن رؤيتهم الفنية له لم يكن منظورًا إليها عبر الرؤية الكونية الشاملة، فأية رؤية تجزئ الواقع لا تبلغ غايتها الفنية.  ونقول، ونحن نقرأ أن واقعنا ما يزال مشحونًا باكثر القضايا التباسًا في العالم، عندما يكون عدوك من بين من يشاركك السكن والطعام والشارع والمدينة واللغة. 
علمًا بأن أية كتابة، لا تضع كلية الواقع في مرجعياتها، تبقى كتابة ناقصة المعنى، كل شيء ينبع من بين ايدينا. عندما تكون الأيدي غير ذاتية.
ما أردت الحديث عنه ليس قصور الأدب العراقي أو نجاحه في تجسيد ما مرَّ على العراق من أحداث، إنما الحديث يتجه نحو الصراحة التي يملكها الواقع في الحديث عن نفسه من خلال ما يجري  فيه، والقصور الفني والأدبي عن هذا الواقع عندما نقرأ نصًا يتحدث عنه، وكأنّه يتحدث عن واقع آخر، والسؤال اين يكمن الخلل؟ فالحدث الواقعي يمتلك كل أدوات التعبير للإفصاح عما يجري فيه، بينما يقتصر النص الروائي الحديث على ما يرى المؤلف فيه، لا على ما حدث فيه، ورؤية المؤلف مهما تكن أحادية، من يملك الرؤية الكلية هو الواقع نفسه، لا شكّ أنّ اللغة هي الأساس في هذا القصور، ولكن الروائي أو الشاعر يتحمّل وزر قصور اللغة التي يختارها، فاللغة هي الكائن الذي يكشف عن الواقع المحتجب في الواقع المعاش، يعني ثمّة لغتان، واحدة تنزاح هي لغة المؤلف، وأخرى تظهر هي لغة الوقائع، اللغة التي لا تتحدث عن الكائن بل عن الكينونة، وهنا نصل إلى نقطة أساسية وهي أن الواقع هو مجموعة واقعيات مختفية في طيات بعضها البعض، وليس واقعًا واحدًا نعيش سطح أحداثه، خذ أي تفجير حدث في أي مكان، نجده عبارة عن سلسلة من الأحداث المخفية التي تراكمت في بنية خاصة كي تصبح حقيقة، نحن لا نرى تلك السلسلة التي اختمرت فيها قصدية التفجير، بل نرى الحدث، أي النتائج، الواقع لا يعنى بالنتائج، بل يعنى بتلك السلسلة من الأفعال التي لم ترَ ولم يكشف عنها، وقد تكون قد خطط لها في أمكنة أخرى، وستنفذ بأدوات قد لا تكون معروفة لنا، ومع ذلك، لا نجد في هذه السلسلة غايتنا الكلية عندما نكتب عن الحدث الواقعي/التفجير، بل نحتاج إلى خمس خطوات كي نتعرّف على حيثيات الإجراءات التي سبقت التفجير وعاصرته، كي نقول عنه إنّ التفجير حدث في هذه البقعة دون تلك، وحدث في الآنية دون زمن آخر.
1 -  الخبرة البوليسية في التحقيق، وكما يشير تودوروف أن أي عمل أدبي أو فني هو قضية، وأن اية قضية تتطلب تحقيقًا، الرواية، القصيدة، اللوحة الفنية، هي جزء من هذا التحقيق. العمل الأدبي تحقيق مشفوع بأسئلة، سيجيب القارئ عن جزء منها.
2 - على الكاتب أن يمتلك لغة الوقائع المحتجبة، لا لغة الوقائع المعلنة، وهي غير اللغة التي نتحدث بها عن الوقائع المرئية، هنا، نتحدث عبر الرؤية العيانية، وهناك نتحدث عبر رؤية اللامرئي، اي التصور الآتي من المقارنة بين ما جرى اليوم وما حدث سابقًا، التمثيل هنا يمدنا بخيوط غير مرئية لشبكة من الأحداث اللامرئية.
3 - المخيلة النشطة، وأعني بذلك أن أي حدث لا يمكن تصوره إلا عبر الخيال، ما يجري من حيثيات واقعية ليست إلّا نوافذ وعتبات ومداخل واستهلال، هي مبتدأ لما هو خبر غائب ومغمور في الأعماق، لذلك بحاجة إلى الخيال الفاعل لا الخيال الحلمي الذاتي، ومادة الخيال الفاعل هي التفلسف.
4  -  على الروائي ان لايكون شخصًا عاديًا، أدواته اللغة، الروائي محقق بوليسي غامض، وضمائره متعددة، ولغته متعرجة، والطريق الذي يسلكه للكشف غير مسلوك سابقًا. فإذا كان حديثه مباشرًا، لن يصل إلى جوهر الحدث، اللغة الفنتازية، التهكمية، الغرائبية، الحلمية، الشكية، المليئة بالأسئلة، هي اللغة التي بامكانها أن تزيح سطح الرؤية المباشرة لتصل إلى الرؤية العميقة. لا نقول إنّ الباب مفتوح،  اسم وخبر، بل نقول إنّ الباب فُتح، والمبهم المجهول هو الذي فتحه دون أن نراه، عندئذ يبدأ التصور في افتراض القوى التي تقف وراء فتح الباب، ثم نكتشف الغرض من فتح هذا الباب دون غيره، ولماذا فتح هذا الباب في هذا الوقت دون وقت آخر، هذه الاحتمالات لا تملكها اللغة الواقعية المباشرة، بل لغة المحقق البوليسي.
5 - شيء ما من المرجعية لاي حدث واقعي، هذا العمق المثيولوجي للعنف مثلا لايمكن اغفاله في أي تصور عن حدث واقعي، حتى لو لم يشر الحدث إليه، ففي كل التفجيرات يصاحبها نداء ديني، ثمة عمق مثيولوجي ديني يصاحب الحدث، وكل أثر يعثر عليه الروائي كمحقق بوليسي هو اتصال بمرجعية مضمرة في بنية الحدث. هذه البنية محرك خفي لا يظهر على سطح الحياة اليومية إلّا بشكل غامض واحيانا مقدس. 
قلتُ خمس خطوات، وفي الحقيقة ثمة خطوات أخرى على من يتصدى للكتابة عن الواقع أن يتقنها دراسة وعلمًا، فالكتابة اليوم مجسّات كاشفة عن مستويات الواقع الذي حدث فيه التفجير فليست الكتابة عن نوافذ محطمة
، بل الكتابة عن الرغبة الدفينة لمعنى ان تحطم هذه النوافذ، فالواقع لا يستحي من الافصاح عن الذين يختفون في طياته وهم يرتدون أزياءنا نفسها، ويتكلمون لغتنا نفسها.
ما يدمّر الواقع هو من يعتقد أنّه الممثل الوحيد له.