سيادة الصناعة وصناعة السيادة

الأحد 26 كانون ثاني 2020 - 19:07

سيادة الصناعة وصناعة السيادة
 
علاء هادي الحطاب
 
عرّفت الموسوعة السياسية لعبد الوهاب الكيالي وآخرون السيادة بأنها: " السلطة العليا التي لا تعلوها سلطة، وميزة الدولة الأساسية الملازمة لها ،التي تتميز بها عن كل ما عداها من تنظيمات داخل المجتمع السياسي المنظم، ومركز اصدار القوانين والتشريعات والجهة الوحيدة المخولة بحفظ النظام والأمن وبالتالي المحتكرة الشرعية الوحيدة لوسائل القوة ولحقّ استخدامها لتطبيق القانون"، وكانت قوة الدولة تُقاس بمقدار أحكامها السيادة على شؤونها الداخلية وعدم تدخل الدول الأخرى في سياستها العامة وقراراتها.
في أواخر القرن الماضي اهتز مفهوم السيادة الوطنية، كونه شهد الكثير من التحديات على صعيد العديد من القطاعات سواء أكانت في المجال الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي، أرادت الدول ذلك أم أبت، فالعولمة أخذت كثيراً من "جرف السيادة"، كذلك مبدأ التدخل الإنساني إًبان الكوارث والأحداث الجسام التي تعجز الدول عن معالجتها لوحدها من دون تدخل كالحروب الأهلية وغيرها، حتى أن "كوفي أنان" الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة عدَّ في المشروع الذي طرحه على الجمعية العامة في دورتها (54) " أن السيادة لم تعد خاصة بالدولة القومية التي تعدُّ أساس العلاقات الدولية المعاصرة، ولكن تتعلق بالأفراد أنفسهم، وهي تعني الحريات الأساسية لكل فرد والمحفوظة من قبل ميثاق الأمم المتحدة".
لكن كان ولا يزال الجانب الصناعي هو المصداق الحقيقي لمفهوم السيادة، إذ لا يمكن لدولة مهما كانت أن تضمن سيادة بلا تدخل وخوف وقلق وهي تأكل ما لا تزرع وتلبس ما لا تصنع وتطمئن بعدم تدخل الآخرين في شؤونها وهي رهينة بيد دول أخرى، فيما تأكل وتشرب وتلبس وتركب وتعيش في كل مفردات حياة مواطنيها ،لأجل العيش الكريم وهو رهينة بيد الدول المصدرة لها ذلك، وهذا من شأنه أن يقلل ثقة المواطنين بدولتهم وانتمائهم لأرضهم، ومن هنا فإن أغلب الدول التي تُعد كبرى ومتقدمة ،فهي إنما كبرى بصناعتها واقتصادها ،لا كبرى بحجم مساحة أرضها وعدد مواطنيها، نعم الموارد البشرية لأي دولة مهمة إن أحسنت الدولة استثمارهم، والعكس إن تلك الموارد الممكن أن تمثل " نقمة" إن لم يتم استثمارها فيتحولون الى جيوش من العاطلين عن العمل، ما يعني ذلك مزيداً من التخلف العلمي والتربوي والصحي والثقافي والاجتماعي وتراجع لسلطة القانون أمام " سلطة الغاب"، ومن هنا فإن نجاح الصناعة وتقدمها لأي بلد يمثل ضمانة مهمة وحقيقية لاستمرارية سيادتها واستقرارها الداخلي بالحد الذي يمكن لمواطنيها العيش بسلام، ولدينا شاهد قريب عندما توترت العلاقة بين قطر والسعودية ومنعت الأخيرة دخول الطعام والشراب الى قطر ،كيف كادت الدولة أن تنهار لولا التدخل الدولي وبناء جسر جوي لإيصال الماء والطعام عبر الطائرات.
فلا خيار لنا في العراق، ونحن نمتلك كل مقومات الزراعة والصناعة إلا أن نصنع سيادتنا بالصناعة ونحافظ على صناعتنا بالسيادة، فمن غير الممكن لبلد يمر فيه نهران عظيمان أن يستورد الماء، وبلد " الثلاثين مليون نخلة" يستورد التمر، ففي أحلك الظروف التي مرت بتأريخ العراق إبان تسعينيات القرن الماضي وما رافقها من حصار اقتصادي قاتل كان العراق يزرع ويصنع بل ويصدر بعض التمور.
خطوات جادة تجرى الآن لتفعيل الزراعة والصناعة لاسيما بعد أن اكتفى العراق من تأمين عدد كبير من المحاصيل الزراعية ذاتياً " داخلياً" وتأمين كامل للحنطة والشعير والرز وغيرها، كذلك تأمين بيض المائدة واللحوم والأسماك، الأمر الذي يبشر بخير واطمئنان "سيادي" لعدد كبير من مفردات غذائنا وشرابنا، الأمر ذاته بات يلمس نتائجه المواطن في بعض الصناعات المحلية الغذائية وغير الغذائية، لكن ما نحتاجه وبصورة ملحة أمرين مهمين هما :( سياسة عامة صحيحة للحفاظ على هذا المنجز وتطويره، وكذلك تسويق صحيح للمنتج العراقي) لأن الجودة والسعر والوفرة ستكون معايير مهمة في السوق لذا نحتاج كمؤسسات إعلامية إقناع المستهلك بضرورة دعم المنتج الوطني وحمايته وتطويره.
نحن في شبكة الإعلام أطلقنا مبادرة لدعم الصناعة المحلية وستشمل كل مؤسسات الشبكة الإعلامية ووضعنا خططاً لذلك وسنرى مصاديقها في الأيام  القليلة المقبلة، ما نحتاجه هي سياسة عامة يقوم بها راسمو السياسات العامة من الرسميين وغير الرسميين من منظمات ونقابات ومؤسسات مهنية التفاعل مع تلك الحملة وخطوة دعم الصناعة بشكل عام.
كل الشركات والمصانع العراقية ( القطاع العام) مدعوة للتفاعل مع حملة الشبكة التي ستكون مجانية لتلك الشركات في سبيل تسويق منتجاتها وصناعتها، ونؤكد مجانية كل النشاطات التي سيتم إنتاجها وبثها.
ما نحتاجه التكاتف في سبيل هذا الهدف الذي إن نجحنا فيه جميعاً، سننجح حتماً بأهداف أخرى .